
بعد الاستقلال كانت الامية سائدة في البلاد حيث كانت تبلغ نسبتها 85%.
اختارت الدولة تعميم التعليم لكن ذلك لم يكن ليحل معضلة امية الكبار الذين تجاوز سنهم الحد الذي يخول لهم دخول المدارس، فقررت تنظيم حملة وطنية ل”محو الامية” فتحت لها الفضاءات العامة و النوادي و المدارس و وضعت لها البرامج وعرفت بها في وسائل الاعلام و اعتنت بالمشاركين فيها و احتفت بالمتميزين منهم.
ولم يطل الانتظار كثيرا حتى ظهرت النتائج و تراجعت امية الكبار الى نسب مقبولة و صلت 18%سنة 2000.غير ان الدولة غفلت منذ ذلك التاريخ عن برنامج تعليم الكبار و لم تعد تولية ما يجب من اهمية و قيمة و حرص فعادت الامية و انتشرت من جديد لتبلغ اليوم نسبتها 20% في عموم البلاد.
لكن الاخطر في كل هذا ان نار التعلّم و المعرفة والتي كانت ميزة الشعب التونسي الى حد السبعينات قد خمدت و فقدت المدرسة، وخصوصا المدرسة العمومية، بريقها و جاذبيتها و مكانتها، ناهيك ان الانقطاع المبكر عن التعليم اصبح يفوق المائة الف طفل (100000)في السنة،و هو امر محير و مخيف في الوقت الذي يمضي فيه السياسيون في صراعهم على الكراسي و المناصب.
الامية التي عادت بقوة لم يعد بالامكان مقاومتها بتعليم القراءة والكتابة و بعض الالمام بالحساب و حسب، و انما كذلك بالتثقيف و بالاحاطة المعنوية و الفكرية و مساعدة المتعلم على السعي الى تحسين و ضعه الاجتماعي و البحث عن شغل يحقق له العيش الكريم و يعطي معنا لحياته.
و يكتسي تعليم الكبار اليوم اهمية خاصة لما يمكن ان يلعبه من دور في النهوض بالمراة الريفية في الجهات الاقل حظا، سيما في الوسط الغربي حيث تبلغ نسبة الامية بين صفوف الإناث نسبة 50%، و تحرم الفتيات في مناطق من القيروان مثل معتمدية الشراردة من الذهاب الى المدرسة.
فهل هناك اخطر من هذا ؟نريد ان نرى صورة الستينات تتجسم من جديد في واقعنا ولو بعد ستين سنة!
