بقلم: العربي منصوري
أثارت مقتطفات من تسجيل مكالمات هاتفية للرئيس بن علي مع كبار مسؤولي الدولة من مكان لجوئه في المملكة السعودية يوم 14 جانفي 2011، والتي بثتها اليوم التلفزة البريطانيه بي-بي-سي ضجة في الاوساط السياسية و الاجتماعية، و اثارت عديد الاسئلة حول توقيت بثها و قيمتها و الاهداف الخفية التي ترمي اليها.
و لعل الاستنتاج الاول الذي يتعين استخلاصه هو ان قوى العالم الكبرى لم تكن في غفلة من ما كان يجري في تونس من أحداث وكانت، بما يتوفر لها من امكانيات، تتنصت وتتابع و تسجل وتدوّن.
اللهم اذا وقع تسريب هذه المالكات من جهات تونسية فان هاتف بن علي رجل المخابرات و الامن كان مراقبا، وتلك نهاية!
ويا لها من نهاية حزينة هذه الذي تُظهرها مقتطفات المكالمات التي اختارت التلفزة البريطانية بثها و دعمتها برسومات في شكل صور متحركة على خلفية كاريكاتورية قاتمة.
نرى رئيس دولة مذعورا لا يكاد يقدر على الكلام يستنجد بهذا و ذاك من اصدقائه و مقربيه و من رجاله في اعلى سلم المسؤولية باحثا عن كلمات تطمئنه و تفتح له طريق العودة الى حكم بدأ يُنتزع منه…انها لحظات و كانها اقتطعت من ماساة شيكسبيرية لا يقدر على تصوير مثلها غير البريطانيين يبرز من خلالها الرئيس الراحل بن علي و هو يحاول التشبث بتلابيب امل الحفاظ على كرسي الحكم ويتلذذ بما تبقّى له من نفاق المنافقين ووعود خدمه المطيعين و الذين كان اغلبهم من المنقلبين الخائنين.
انها تراجيدية رجل برع في المسك بكل الاستعلامات و المخابرات العسكرية و الامنية و لم تكن تفوته لا شاردة ولا واردة او تغيب عنه معلومة صغيرة او كبيرة فاذا به اصبح يستجدي معاونيه لفهم ما يجري في بلد حكمه بقبضة من حديد لحوالي ربع قرن من الزمن.
انها النهاية لرجل هرّته السلطة فانقطع عن الواقع و عزل نفسه في تصورات قديمة تجاوزتها الاحداث فاغتنم بعض الطامحين من حوله الفرصة وخططوا لابعاده بعد ان اوهموه انه ضحية انقلاب قام به “الخوانجية” فراح يردد ذلك تلقائيا كما تبرزه المكالمات و كانه يحاول تجاهل حقيقة ان الانقلاب مصدره من داخل المنظومة التي بناها و اشرف عليها منذ عقود و انفلتت اليوم من قبضته، او كانه يريد ان يُصغّر في عين مقربيه ما كان يجري من احداث خطيرة و غليان وغضب في الشارع، و يحفزهم للوقوف والتصدي.لم يكن بن علي الذي ظهر من خلال هذه المكالمات، و انما بقايا بن علي.
ولكن لماذا بث هذه المكالمات ولماذا اليوم 14 جانفي؟ هل الهدف هو التذكير ان تاريخ الثورة بما يتبع ذلك من احداث تاريخية هامة تمثلت أساسا في فرار رئيس الجمهورية وخروج الناس إلى الشارع وسقوط الشهداء انما هو يوم 14 جانفي؟
بعبارة اخرى:هل اراد البريطانيون المعروفون بتقديسهم لتاريخهم واحترامهم لسردايته و محافظتهم عليها والعمل الدؤوب على احيائها التوجه هنا الى الرئيس سعيّد مستنكرين عليه استبدال هذا التاريخ بتاريخ 17 ديسمبر؟
ام هل الهدف هو مزيد اذكاء نار الاحقاد و التقسيم داخل جسم الشعب التونسي و مزيد التفرقة بين المؤيدين للثورة و المعارضين لها عبر الايهام بالمؤامرة، لا سيما في غياب تواصل الضبابية حول احداث 14 جانفي و في ظل عدم تحمل مسؤولية القيام بمصالحة وطنية حقيقية ؟
ام فقط هو ابراز الحقيقة التاريخية ان النتيجة الحتمية لكل انفراد بالحكم مهما كانت قوته و سطوته هو في النهاية الانحلال و السقوط؟ قد يكون احد هذه الاجوبة او كلها معا مع اضافة اجوبة اخرى لأسئلة اخرى عديدة سيطرحها بث هذه المكالمات في مسستقبل الايام.
