بقلم: الحبيب المستوري
يوافق اليوم ذكرى وفاة الرئيس بتينو كراكسي بالحمامات، السياسي الايطالي الكبير ورجل الدولة البارز، ورئيس الحكومة السابق، الذي أحب تونس وعاش فيها أجمل فترات حياته واصعبها بعد ان وجهت له اتهامات بالفساد المالي المتعلق بتمويل الاحزاب، ليوافيه الاجل المحتوم يوم 19 جانفي 2000 بتونس، بعد ان رفض، او لم يتمكن، من الرجوع الى بلاده للمداواة عندما اشتد به المرض، لمسائل بيروقراطية لأنه كان عليه ان يتم اعتقاله لايام حتى اتمام اجراءات العفو من لدن رئيس الجمهورية.
فترة بداية التسعينات في ايطاليا تميزت بحملة الايادي النظيفة التي قادها قضاة محكمة ميلانو لمحاربة الفساد السياسي والمالي والثورة على الاحزاب الحاكمة التي تمول نفسها بصورة غير قانونية بخلق اسلوب تمويل سري عن طريق رجال اعمال ومؤسسات مقابل اعطائهم فرص الفوز في المناقصات العمومية في المشاريع الكبرى.
وكان كراكسي حينذاك أمين عام الحزب الاشتراكي الذي بوأه أعلى مستويات الحكم في ايطاليا..
وكان محط انظار القضاة الذين استجوبوه فدافع عن حزبه وذكر ان تمويل الاحزاب العمومي لا يفي بالحاجة وان التمويل الخاص معمول به من طرف كل الاحزاب، الا ان هذا جلب له غضب شعبي كبير انتهى بحدفه بالنقود المعدنية اثناء خروجه من نزل رافائيل بساحة نافونا بروما.عندها أحس كراكسي ان اللعبة اصبحت خطيرة وانه لن يستطيع الدفاع عن نفسه بايطاليا فقرر اللجوء الى تونس عام 1992 والبقاء بها الى ان تفرج الامور ولكن الاحداث تسارعت وأتت على خلاف ما كان يترقبه.
اقامته الدائمة بالحمامات جلبت الكثير من التشنجات حتى على مستوى العلاقات بين تونس وايطاليا، وطالب القضاة بتسليمه الا ان تونس تمسكت بعدم الاستجابة لمطلبهم معللة ذلك بعدم وجود اي اتفاقية بين البلدين تقضي بتسليم المطلوبين للعدالة وهناك امور عاطفية كذلك فالرجل صديق لتونس منذ ان كان نائبا لرئيس بلدية ميلانو حتى اصبح أحد أهم السياسيين في الجمهورية ومن أكثر السياسيين نفوذاً وتقديراً دولياً في الثمانينيات.
الكثير من شهرة الحمامات، بايطاليا خاصة يعود الى تمركز كراكسي بهذه المدينة السياحية بالاساس الذي احبها ولم يفارقها حتى النهاية ودفن بها في المقبرة المسيحية المطلة على البحر.
كان صديقا حميما لعرفات والقضية الفلسطينية وكان الرجل السياسي الايطالي الوحيد الذي وقف في وجه الولايات المتحدة في قضية تسليم ابو عباس قائد الكومندوس الذي اقدم على اختطاف باخرة اكيلي لاورو في 7 اكتوبر 1985 للتعريف بالقضية الفلسطينية والذي قتل بها مواطن يهودي امريكي.
مدينة الحمامات اهدت احد شوارعها الى كراكسي واسمته باسمه عام 2007، وتأوي الحمامات ايضا جمعية تخلد اسمه ترأسها ابنته ستيفانيا الى حد اليوم وبيته الذي لم تفارقه زوجته آنا ابدا.
اما على مستوى سفارتنا بايطاليا فالعلاقة وثيقة مع ابني كراكسي بوبو وستيفانيا وهما متعلقان بارضنا ولا يتركان فرصة للحديث عن تونس بكل حب وهذا طبعا يرجع لعمل ما تبقى من ديبلوماسيتنا الاصيلة التي تخدم صورة البلاد بجميع اركانها فتحية احترام تشملهم، هؤلاء هم الوطنيون الذين يمثلون الديبلوماسية التونسية الحقيقية واخص بالذكر السفير معز السيناوي.هذه بعض جوانب قصة الرجل الذي قال: “لا ارجع الى ايطاليا الا كرجل حر” بمناسبة 22 سنة على رحيله بتونس.
