
يلعبة كرة القدم هي تسامٍ لغرائز العنف عند الإنسان، و هي كذلك تعويض لتجربة التصادم و الاقتتال.
لذلك فهي تحتفظ بكل عبارات و توصيفات المواجهة و الحرب مثل “الدفاع”و “الهجوم” و “الهجوم المعاكس”و “التصويب”و “القذف” و “الصدّ”و “التسلل”، وغير ذلك من الألفاظ و التعابير التي تحيل على ساحة النزال و الوغى.
مع ظهور الدولة الوطنية و ترسخها في منتصف القرن التاسع عشر انتشرت لعبة كرة القدم التي ولدت في نفس الفترة، بفضل سهولة قواعدها و ما تفرضه من انضباط و بذل الذات و حسّ المجموعة، وتحولت الى حاملة لواء الوطنية و احدى اهم و ابرز علامات الانتماء والهوية.
ناهيك ان دولا كبرى تعرّف بفرقها اكثر مما تعرف بثقافتها او صناعتها او انجازتها العلمية.
فالبرازيل احدى عمالقة البلدان الصاعدة هي في ذهن شعوب العالم ذلك الفريق المرتدي للاخضر و الاصفر و المتربع على قمة لعبة كرة القدم. اما باقي ما تمثله اكبر هذه الدولة الاكبر في امريكا اللاتينية فهو لا يهم غير المختصين.
وكذلك الشأن في ما يتعلق ببلدان اخرى مثل الارجنتين او الاوروغواي او كولومبيا وجل بلدان امريكا الجنوية التي ظهرت فيها لعبة كرة القدم بفضل مدّ السكة الحديدية في مطلع القرن الماضي، والتي يعرف الناس عبر العالم كل شيء عن نجوم كرتها ولا يعرفون شيئا اخر عنها او يكادون بمن فيها حتى اسماء رؤساءها. *****
بانتشارها السريع و الكاسح في كامل ارجاء المعمورة ما جعل منها الرياضة الشعبية الاولى، تجاوزت كرة القدم حدود اللعبة التي كان يقبل على ممارستها الشباب للتسلية و نسيان ظروف العمل القاسية و تطورت مع تطور نمط الحياة الى صناعة تولّد اموالا طائلة و تثير اهتمام الشركات العالمية و الحكومات سيما و قد اصبحت تمثل رهانا وطنيا يلزم صورة البلاد و مصداقيتها و يعكس مستوى عنايتها بشبابها و تطوره.
من هنا اصبحت لعبة كرة القدم ترمز الى قيم عالية عديدة و تحولت تحت تاثير الاعلام المعولم الى مدرسة بكبر الكون للاحترام و التسامح و التضامن ونبذ التفرقة باسم اللون او الدين.
واعتبارا الى انها تتيح فرص التباري و المنافسة بين فرق انتخبتها بلدانها لحمل رايتها و الدفاع عن الوانها الوطنية فان مختلف المسابقات القارية او العالمية توفر في كل موسم منبرا لشباب كل بلد للتعبير عن نفسه و عرض صورة بلاده على انظار العالم.
*****
في هذا الاطار يتنزل فوز الفريق التونسي امس في منافسات كأس افريقيا على منافسه الفريق النايجيري.
لقد كان فوزا مفعما بالمعاني اضاء كنجم سماء ذهبي بلادنا الكئيبة.
انه انجاز شباب تونس جاء على عكس واقع بلادهم.فعلى قدر ما يميّز نخب بلادهم المنقسمين المعادين لبعضهم البعض كان النسور متحدين متضامنين امام الغول النايجيري.
وعلى قدر التخاذل و الضبابية التي تكتنف مسيرة البلاد جاء عزم ممثلي تونس في الكاميرون ثابتا و هدفهم راسخا و قاموا كرجل واحد لتحقيقه.
لم يحسبوا، لم يساوموا، لم يترددوا، لم يرتعشوا، لم يبحثوا عن دعم غير الذي توفره لهم امكانياتهم الذاتية.
لم يكن حاضرا بين اعينهم غير اسم تونس و رايتها. عزموا، تقدموا، تحدوا، و انتصروا.
انه درس رائع يلقنه هؤلاء الشباب لكبارهم في هذا البلد المهدد في وحدته و تواصله.
انه درس في الاقدام وعلو الهمة و روح الانتماء و نكران الذات و التضحية من اجل راية الوطن.فهل تفهم النخبة درس المنتخب؟
