بقلم عبد الجليل المسعودي
لقيت استقالة نادية عكاشة مديرة ديوان رئيس الجمهورية امس-و ماتزال تلقى-اهتماما كبيرا من قبل وسائل الاعلام بكل انواعها و توجهاتها.
وهذا الاهتمام يبدو طبيعيا بالنظر ليس لقيمة المنصب الذي يضع صاحبه في المكان الاقرب من رئيس الجمهورية كما هو الشأن في كل الانظمة السياسية وحسب، ولكن كذلك لان عكاشه طبعت ممارستها لمسؤولية مدير الديوان الرئاسي الدقيقة بطابع خاص لم تعرف له العادات و لا التقاليد مثيلا من قبل.
لم تكن تكاد تغيب عن حضور اي نشاط من انشطة رئيس الجمهورية، و كانت تلاحقه كظله في كل تنقلاته في الداخل و الخارج، وتقفز فوق القواعد البروتوكولية لتجلس خلال المجالس الرئاسية في المقاعد الاولى متقدمة بذلك عن وزراء السيادة رغم انها لم تكن تحمل اي صفة حكومية.
وحين تحضر الى جانب الرئيس فانها لم تكن تهتم باخذ الملاحظات بل كانت تُرتّب لتظهر بمظهر اللاعب الرئيسي الى جانب رئيس الجمهورية والملاحظ المطلع صاحب الراي الوازن الذي لا غنى لقيس سعيّد عنه، حتى غدت في اذهان الناس وكانها فعلا نائبة الرئيس.
هل قدّرت عكاشة خطورة الوجه الاخر لحضورها الواسع الى جانب رئيس الجمهورية وما يثيره ذلك من تساؤلات منزعجة حول شرعية احتلالها للاعلام الرئاسي، و ما يعرّضها كذلك الى انتقادات و اشاعات وتحاملات سواء كان من معارضي قيس سعيد الذين كانوا يرون فيها جندي الظلام الموكول له القيام “بالعمل القذر”، او من انصاره بدافع الغيرة او بسبب اختلافات في التوجهات؟
الواضح انها بحكم قلة تجربتها السياسية لم تقدّر خطر الظهور و التعرض المفرط لعين المجتمع في مثل هذه الاوضاع الصعبة، كما انها لم تقدر هشاشة الوضع السياسي في البلاد بعد حركة 25 جويلية التي وضعت السلطة الحاكمة تحت ضغط مزدوج داخليا و خارجيا في غياب مشروع بديل ذي مصداقية تجعلها فوق شبهات الانقلاب الذي مايزال يصفها بها معارضوها.
عكاشة تصرفت باندفاعية الهواة و دفعت نحو مزيد تازيم الاوضاع كما برز ذلك في تدويناتها العديدة الداعية الى التصعيد و التفرقة و الحال انها بحكم موقعها مطالبة على الاقل بالتحفظ و على الاكثر بالحث على الحوار و التقارب.
لقد سقطت عكاشة في فخ تضخم الانا الذي يسببه الوصول السريع و السهل الى السلطة.
لم يُعرف لها نضال سابق قبل دخولها قصر قرطاج.
كما انها لم تكن من انصار قيس سعيّد المعروفين ولا يمكن اعتبارها من المساهمين في برنامجه السياسي اذ ليس لقيس سعيّد برامج اصلا.
تضخم الانا و ما يسببه من دُوار سياسي جعلها تتصور لنفسها مصيرا وطنيا كبيرا و من بارانويا (paranoia)وصلت ذروتها في حادثة ادعائها تعرضها لمحاولة اغتيال بواسطة ظرف يحتوي مواد سامة لم تثبت المباحث المختصة وجودها.
هل كان منصب مدير الديوان كبيرا على عكاشه المبتدئة في السياسة فمارست صلاحياته على غير ما يفرضه من هدوء و حذر و تواضع، و هل ادى بها سوء تقديرها لهذه المقتضيات الى الغرور و الذاتية حتى انها اصبحت ترى نفسها تساوي رئيس الجمهورية مثلما يبرز ذلك جليا في تدوينتها التي أعلنت فيها استقالتها والتي لا تخلو من التحذير و الوعيد؟
استقالة نادية عكاشة تاتي في ظرف صعب على الرئيس سعيّد لتوسّع قائمة المنشقين عنه و لكن علّها تحدث الرجة المامولة حتى يراجع الكلّ حساباتهم، سلطةً و معارضةً و الجلوس حول طاولة الحوار الجدي و البنّاء بعيدا عن التعنت و العناد، سيما و قد اتضح بما لم يدعو للشك ان لا احد يمتلك امكانيات سياسته و ان سبيل النجاة الوحيد و منع تونس من ان تصبح ساحة صراعات اجنبية بالوكالة، هو العودة الى الاصل المتمثل في صيانة المكسب الديمقراطي و احترام قواعده.
و الا فان الجميع لا محالة مهددون بالسقوط، بمن فيهم بالرئيس الذي دبّت الانقسامات العميقة لتصل نواته الصلبة.
اما نادية عكاشه فانها في النهاية قد ربحت اكثر مما خسرت. خسرت مركزا لكنها ربحت شهرة اخرجتها من دائرة المجهول السياسي، وتخرج بمنحة تقاعد وزارية محترمة.
