بقلم عبدالجليل المسعودي
لم يعد من النادر ان نسمع هنا و هناك، عند متجر الحي او في المقهى او حتى في بعض المجالس، اقوالا تشكك في الديموقراطية و تنكر جدواها و تذهب احيانا الى رفضها جملة و تفصيلا اعتمادا على تجربة العشر سنوات و ما كان في التصور و في الحسبان ان تقدمه هذه الديمقراطية الفتية من نتائج واضحة و ملموسة و من رفع لمستوى العيش المادي للناس.
“اش عملنا بيها ها الديمقراطية؟”(بماذا افادتنا الديمقراطية؟) هي من تلك التعابير التي تُطلق في صيغة سؤوال انكاري اصبح يتردد صداه في اماكن و دوائر عديدة ليجد جوابا على غاية من الخطورة ياتي في شكل استنتاج نهائي: “احنا مازلنا مناش متاع ديموقراطية”(نحن لا نستحق الديمقراطية بعدُ)…
مثل هذه الاقوال التي بدات تدب في الجسم المجتمعي لم تات من عدم و انما سببتها المصاعب الكبيرة التي يواجهها المواطن التونسي منذ قيام الثورة، هذا المواطن الذي لم يعد يقوى على مجابهة حاجياته اليومية فضلا عن مشاعر الخوف و الحيرة التي تعتريه امام مظاهر التسيب و اللامبالاة والفوضى.
البطن الفارغ لا يسمع كما يقول المثل الانجليزي، و ما من شك ان مظاهر التفقير التي برزت لكل العيان وتفاقمت وتعمقت -و ماتزال-بالتوازي مع استشراء الفساد وتراجع الدولة لمما مهد الطريق لظهور مثل هذه الاقوال المنكرة الهدامة.
لكن المصاعب الاقتصادية على حدتها و قساوتها لا يمكن لوحدها ان تبرر مثل هذا لانقلاب على الديمقراطية عند شعب ناضل لعقود طويلة وقدم التضحيات الجسام ليحقق حلمه المشروع في الحرية و المشاركة الفعلية في شؤون بلاده ويؤكد احقيته باللحاق بصف الدول الديمقراطية. هناك اسباب اخرى لا تقل اهمية و لا خطورة اولها فشل النخب السياسية طوال السنوات التي عقبت 14 جانفي 2011 في وضع الاسس الثابتة لضمان نجاح و ديمومة عملية التحول الديمقراطي بما يتطلب ذلك من تعقل و تسامح و كرم و روح المسؤولية، وكلها شروط لا غنى عنها لبناء ديمقراطية حقيقية ومتطورة.
كان هناك كثير من الارتجال و التسرع والنيات المخفية، وكانت هناك اخطاء كثيرة لعل اثقلها قانون انتخابي منع بروز قوى سياسية قادرة على تحمل مسؤولية الحكم و تنفيذ البرامج التي انتخبت من اجلها، وقسم المشهد السياسي الى قطع مجنونة تتحرك في كل طريق يضمن لها مصالح فئوية وآنية.واستغل “الاشقاء” وضع التناحر والانقسام الداخلي فتسللوا الى داخل كيان الوطن يستهوون هذا الشق و يُميلون هذا الشق الآخر و يؤلبون هذا الحزب على ذاك و يجعلون الكل يناصب العداء للكلّ.
المهم بالنسبة لهؤلاء الاشقاء ان لا يتحقق المشروع الديمقراطي في تونس العربية الاسلامية لما يمكن ان يمثله من خطر انتشار عدوى الديمقراطية على انظمة بعضها تحكمها عائلات و اخرى محكومة بالعسكر لاننا نحن العرب، على ما يبدو، لا نستحق غير واحد من هذين الخيارين الاثنين وذلك رغم كل ما يقال من اننا حققنا استقلالياتنا السياسية وشيدنا المدارس و الكليات و بنينا المدن العصرية ووضعنا انظمة اقتصادية و اجتماعية متطورة. اما الديمقراطية فهذا شان آخر لا يعنينا ولا يجب ان يكون ضمن اهتماماتها!
الديمقراطية في تونس مهددة اليوم.مهددة بسبب فشل الحكومات التي تداولت على السلطة منذ 14 جانفي في تحقيق الحد الادنى من الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي ما افرغ او كاد يفرغ مكسب الحرية الذي وفرته الديمقراطية من معناه.
و هي كذلك مهددة بتسرب اقوال التشكيك و التحقير التي يطلقها اعداؤها في الداخل و الخارج و اصبحت تسري سريان السم-و العياذ بالله-في ذهن المجتمع.
يحقّ لبعضنا ان يقول ان الديمقراطية متى حلت ببلد و ذاق الناس طعم الحرية و ضحوا بارواح ابنائهم فان تلك الديمقراطية لن تزول وان عرفت بعض الهزات و التعطيلات و الانتكاسات. والامثلة على ذلك كثيرة في هذا العالم شرقا وغربا.
والحقيقة كذلك ان النخب،كل النخب بلا استثناء، تتحمل المسؤولية.
ليس فقط لانها لم تقدم مصلحة الوطن على مصالحها الحزبية او الفئوية. بل لانها كذلك لم تكن في مستوى الرسالة التاريخية و لم تعمل على بناء ثقافة الاعتراف التي لا ديموقراطية حقيقية دونها.
الاختلاف هذا الذي يقول في شانه الفيلسوف هيجل انه اساس الوحدة الفكرية لإي شعب يريد التطور، هو الضامن للعيش المشرك.
والاعتراف بالآخر في اختلافه هو منبع للثراء وهو لا ينسف العيش المشترك بل يدعمه و يعززه.
للاسف لم تؤد مؤسساتنا التربوية او الثقافية دورها في ترسيخ ثقافة الاعتراف لدى الناشئة و الشباب، وتغافلت هياكل المجتمع المدني عن اشاعة قيم التعايش ضمن مجتمع يحترم الاختلاف و ينشده وكل ذلك في ظل دولة حاضرة-غائبة بوصلتها الوحيدة تُسمى الفايسبوك.
ويعود السؤال اكثر ازدراء واحتقار للنفس:”توّه احنا متاع ديمقراطية؟”
