بقلم عبد الجليل المسعودي
اذكر ونحن صغار ندرس في معهد الكاف كيف كان رفاقنا من مدينة ساقية سيدي يوسف يعيشون ذكرى الثامن من فيفري من كل سنة تحل في المدينة العالية حيث عادة ما تتعايش في ايامها تلك شمس واضحة جميلة مع برد قارس شديد.
كان بعضهم ينزوي لفترة يتجنب الكلام وآخرون على العكس يكثرون من الحديث والحركة و كانهم داخلون في نوبة هيستيرية. لم نكن في تلك الأيام ندرك أن رفاقنا كانوا يعانون من مخلفات صدمة نفسية كبيرة سببتها احداث جدت في ذلك اليوم فقدوا خلاله اقارب و اتراب كانوا معهم في نفس المدرسة و نجوا هم باعجوبة، لكنهم لم يتلقوا اي احاطة نفسية تساعدهم على تخطي آثار الصدمة لان ذلك لم يكن معروفا وقتئذ ولا متاحا اصلا.
في يوم 8 فيفري من سنة 1958 فتحت فرنسا الاستعمارية باب الجحيم على سماء بلدة ساقية سيدي يوسف الهادئة العاملة وأمطرتها طائراتها الحربية الاتية من الجزائر وابلا من القنابل العمياء فلّقت اجسام الاطفال في الاقسام والرجال في المتاجر و نسفت و احرقت و هدمت ثم مضت في سبيل حالها باستخفاف و تسلط وعنجهية الظالمين المستبدين.
كانت فرنسا تريد من وراء العملية ضرب عصفورين بحجر واحد: كسر احد مفاصل الثورة الجزائرية، ومعاقبة التونسيين الذين مكنوا المجاهدين الجزائريين من قاعدة خلفية في جهات الكاف الجبلية الحدودية وتحديدا منطقة سيدي يوسف.
العملية خلفت 200 بين قتيل وجريح.
بعد استقلال الجزائر تحولت ساقية سيدي يوسف الى رمز للأخوة التونسية الجزائرية وشاهد حيٌّ على التضحية المشتركة و دعوة مستمرة الى الاعتبار من التاريخ المباشر لبناء الحاضر في كنف التضامن و التعاون واعداد المستقبل وانهاء اسباب الوهن والضعف الذين كانا في اصل سقوط بلداننا بين مخالب الاستعمار.
وكم حضرنا نحن ابناء المنطقة من احتفالات صاخبة في كل 8 فيفري، وكم شاهدنا من عناق بين كبار مسؤولي البلدين، وكم سمعنا من خطب ملتهبة تعد بتحويل الشريط الحدودي الى منطقة استثمار و تصنيع و انتاج ورخاء تخليدا ووفاء للدماء التي سالت سواقيها في ذلك اليوم المشهود في ساقية سيدي يوسف.
لا شيئ من الوعود المطلقة تحقق ويكفي ان نتوقف اربعة وستين سنة بعد مجزرة 8 فيفري لنتاكد ان الحقيقة الوحيدة في المدينة هي قبور الشهداء.
ساقية سيدي يوسف كانت الوعد الاجمل لغد افضل لمواطني منطقة الشريط الحدودي بسكانه الشجعان المكافحين من كلا الجانبين وبما تزخر به من امكانات طبيعية ومن اراض ومياه ومناجم، غير انها اليوم تعطي الدليل الواضح على فشل تام.ساقية سيدي يوسف كان يمكن ان تكون منذ عقود مضت منطقة التعاون و التشارك المثالية بين تونس والجزائر، وكان يمكن ان تكون مثل منطقة لالزاس-و-اللورين l’Alsace-Lorraine مركزا للشراكة الصناعية و الاقتصادية و المالية ومقرا لمؤسسات سياسية و ثقافية و جامعية تدعم التقارب بين البلدين بل وبين بلدان المغرب العربي و تكرس وحدة هذا الكيان و تعزز بناءه.
غير انه ولاكثر من ستين سنة لم تكن ساقة سيدي يوسف غير تغطية لفشل الشراكة التونسية الجزائرية وضحية من ضحايا جنون العظمة التي كانت تميّز قادتها وانانيتهم و عدم قدرتهم على فهم التحولات واستقراء المستقبل.
ولا شك ان مصير المنطقة كلها على الجانبين التونسي و الجزائري على حد السواء والتي تعاني الفقر و التهميش و الاهمال، واصبحت بمثابة البطن الرخو بما يستتبع ذلك من مخاطر على الامن والاستقرار، هذا المصير كان يكون مختلفا لو أوكل الامر فيه للشعوب التي اثبتت في كل مناسبة انها اكثر حكمة و صدقا من حكامهاّ.
تحل ذكرى حوادث 8 فيفري هذه السنة و البناء المغاربي يعرف اخطر تصدعاته وانقساماته وكأن ساقية سيدي يوسف تنتقم لنفسها من جحود من نصبوا انفسهم زعماء للمغرب العربي ولم يجلبوا له غير التفقير و التفرقة والارتهان للقوى الاجنبية.نلتقي في الذكرى الخامسة والستين كما التقينا في التي سبقتها و نتعانق و نزور الشهداء و نطلق الوعود…
ونلتقي في السادسة والستين …وبعد ?


