
الحدث الابرز هذه اللايام كان وسيبقى لوقت طويل إعادة انتخاب السيد نور الدين الطبوبي في اختتام اشغال المؤتمر الخامس و العشرين للاتحاد العام التونسي للشغل امينا عاما للمنظمة الشغيلة لمدة جديدة بخمس سنوات، اعتمادا على الفصل العشرين من القانون الداخلي للاتحاد الذي وقع تحويره في مؤتمر سوسة المنعقد في جويلية الماضي والذي رفع حق الترشح لعضوية المكتب التنفيذي الى ثلاث مرات عوضا عن مرتين.
نفس التحوير الذي تم بموجبه اعادة ترشيح وانتخاب اهم عناصر المكتب التنفيذي و على رأسهم الامين العام نور الدين الطبوبي أثار تساؤلات لم تكن بريئة من بعض التشكيك في شرعية المكتب التنفيذي وبالنتيجة، في تماسكه وقوته مستقبلا.
لكن الرأي الغالب ذهب في اتجاه ان القيادة المنبثقة عن مؤتمر صفاقس، رغم قدم اغلب عناصرها، تتمتع بكل الموصفات القيادية التي تحتاجها المرحلة الحالية والتي باستطاعتها تحريك الخيوط و القيام بدور الحافز للخروج بالبلاد من وضعها المتردي.
انتخاب نور الدين الطبوبي للمرة الثالثة على رأس امانة الاتحاد دافع موضوعي لتحرر المسؤول النقابي الاول من اكثر من قيد و ضغط.
الرجل الذي لم يبق له من طموح آخر غير قيمة الاثر الذي سيتركه بعده يعلم حقيقة واقع البلاد وخطورة وتشعب التحديات المطروحة على كل الاصعدة.
العارفون بشخصية الرجل يدركون مستوى وطنيته ووضوح رؤيته حول المسائل الجوهرية المتعلقة بالخيارات و المواقف التي تحدد مستقبل البلاد فضلا عن الخروج بها من وضعها المتازم.
وهنا يطرح السؤال: اي طريق سيسلك نور الطبوبي بين ضروريات الاخذ بواقع تونس وما يقتضيه ذلك من لزوم التضحية و التنازل، وبين الصراع المفروض دفاعا عن مكاسب الشغالين و واجب تحقيق مكاسب اخرى، بين تكريس دور الاتحاد ك”كأكبر قوة في البلاد” بما يعني ذلك من قدرة على التاثير في صنع القرار السياسي، وبين التشبث باولوية الخيار الاجتماعي كمسؤولية طبيعية؟
الجميع يعرف قدر ما تتحمله الهياكل النقابية من مسؤولية في الازمة الاقتصادية و الاجتماعية والناتجة احيانا عن مفهوم و ممارسة خاطئين لحرية العمل النقابي والحرية عموما.
الطبوبي هو الاخر يعلم ذلك جيدا و يعلم ان الوقت حان لدق جرس انهاء مرحلة التراخي والتساهل والتسيب، وهو ايضا واع بنفس القيمة بمخاطر الانزلاق في دوامة المطلبية/الرفض/التصعيد التي لا تنتهي والتي تصيب مؤسسات الدولة في مردودها و مصداقيتها بل وتواصلها.
ولقد رأينا كيف تصدى الطبوبي لاكثر من مرة ووضع الامور في نصابها الصحيح حين تعلق الشأن بمسائل في خطورة سير البنوك او التعليم او توزيع المحروقات وغيرها في خطابه ليوم الافتتاح وتصريحاته الجانبية خلال المؤتمر كانت العبارة الأم عند نور الطبوبي هي ان “الاتحاد وُلد من رحم المعركة من اجل استقلال البلاد”.
الكثير من المعاني تختبئ وراء هذه العبارة منها التاكيد على اصالة و شرعية المنظمة النقابية ما يجعلها صاحبة رأي وقول في خيارات البلاد حاضرا ومستقبلا، ومنها ايضا ان الاتحاد ما يزال على العهد للمحافظة على التوجهات والاهداف التي صيغ حولها مشروع البلاد المتطلعة لاستقلالها التام سنة 1955 في نفس ذات المدينة:صفاقس.
من هذا المنطلق لم يكن اختيار صفاقس للمؤتمر لخامس و العشرين من باب الصدفة و انما للتذكير و التأكيد ان اتحاد الشغل ليس مجرد طرف اجتماعي وانما كما كان وكما سيبقى شريكا كامل الحقوق لا يمكن التقليل من دوره او التغافل عنه دون احداث اختلال في توازن الواقع السياسي و الاجتماعي وتعطيل مسيرة البلاد.
لقد حقق الاتحاد منذ اربعة واربعين سنة الاستقلالية التي مكنته من الارتفاع فوق الاعتبارات السياسية المباشرة بخروج امينه العام آنذاك الزعيم حبيب عاشور من تشكيلة الديوان السياسي للحزب الحاكم.
المفارقة ان الاتحاد اكتسب اهمية سياسية اكبر وصار لاعبا فاعلا يلجأ اليه المستقلون و المصابون بخيبة امل إزاء الاحزاب والتشكيلات السياسية وهو ما يحصل اليوم بعد التراجع الواضح لاشعاع ومصداقية التنظيمات السياسية و قياداتها.نور الطبوبي نجح في تمرير تحوير القانون الداخلي للاتحاد و تمكن من ان يُنتخب لمدة جديدة امينا عاما للمنظمة الشغيلة.
في الندوة الصحفية التي تلت انتخابه اظهر الامين العام حذرا كبيرا يؤكد ان الرجل واع شديد الوعي بثقل مسؤوليته في مرحلة دقيقة لم يسبق لتونس ان عاشت مثلها.
وهو ايضا يدرك ان مكسب الاستقلالية التي ارادها ونالها حبيب عاشور تجعل الامين العام المسؤول الاول والوحيد على المسار الذي يسلكه الاتحاد في التعامل مع نسيج الواقع الوطني والذي يبدو اليوم بهشاشة تجعل كل اندفاع غير محسوب يسبب فيه أخطر الثقوب.
وما من شك فانه لامناص من توخي مسلك الحوار الذي اثبتت مسيرة الاتحاد واكد تاريخ البلاد انه المسلك الاضمن والأنجع.
والسؤال مرة اخرى: كيف سيؤلف نور الدين الطبوبي بين كل التناقضات و المتطلبات و الإكراهات و الانتظارات؟ وكيف يمكنه ان يتحلى في ذات الوقت معا بالشجاعة و التروي، بالجرأة و الهدوء، بالاسراع والتريث؟ وكيف يوفق بين صوت عقله وضغط رفاقه، بين حاجيات البلاد وانتظارات قواعده…؟
المسؤولية صعبة لكن الطبوبي اثبت ان له مؤهلات الزعيم النقابي الذي يعرف كيف يتخذ القرار الصواب وان كان مؤلما.انه نورالدين الطبوبي جديد هذا الذي يُنتظر ظهوره من وراء مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل الخامس و العشرين.
