
أعرف رجل المسرح عبد الله رواشد وانا على اقتناع انه ضحية حيف و ظلم، وانه يستحق بجدارة احتلال مكانة ومكانا افضل من اللتين له اليوم.
الرجل مثقف، ذكي، مطلع، مجتهد وواسع الخيال.
وهو عامل مناضل مؤمن بالرسالة التي تحملها-وما يزال يتحملها-كمنشط، ثم كمدرس اكتشفت اجيال عديدة في معاهد كثيرة اسرار الفن المسرحي على يديه، ثم كمدير لاحدى اهم الفرق الجهوية، فرقة الكاف، ثم كمؤسس ومدير للفرقة القارة بالقيروان و الفرقة القارة بالمهدية.
تحصل اثر تخرجه بتميز من معهد التمثيل والموسيقى والرقص على منحة تربص بسنة كاملة بالمراكز الدرامية بفرنسا احتك خلالها بكبار المبدعين والمنتجين المسرحيين وعمّق ادراكه بقيمة الفن الرابع في ايقاظ الضمائر النائمة وتحريك السواكن ورفض المسلمات.
وكان امضائه لبيان الاحدى عشر (le manifeste des onze) الصادر بجريدة لابراس في ربيع سنة 1966 علامة بارزة على توجه المسرحي الشاب آنذاك نحو الانصهار في مسرح ملتزم بقضايا مجتمعه.
لكن الاسهام الاهم لعبد الله رواشد في نشأة مسرح جهوي يبقى بلا منازع ما قدمه من تصورات ومقاربات عملية قصد تمكين المسرح الجهوي من استقلالية في التصرف الاداري والمالي.
كان وما يزال مقتنعا ان نهضة الحركة المسرحية وترسيخها في التقاليد الثقافية الوطنية و تثبيتها في واقع التونسيين مرتبط بمدى نجاح مختلف التجارب في الجهات ومدى تمكنها من احتلال مكانة حقيقية ضمن اهتمامات المواطنين في محيطهم بما يجعلهم يقبلون على مشاهدة الاعمال التي تقدمها فرقهم الجهوية والاسهام في اثراء محتواياتها بحضورهم ونقاشاتهم، واعتبارهم لها عنصرا مكونا لخصوصيات جهتهم يعتزون بها ويتعهدونها بالسؤال والمتابعة ويحثّونها على طرح مضامين تساعد على ابراز واقعهم وبناء وعي اوسع ما يمكن حولها.
عبد الله رواشد كان مقتنعا بان نجاح تجربة الفرق المسرحية الجهوية القارة في تحقيق هذه الاهداف يمر حتمًا عبر تهيئة الظروف المادية والمعنوية المناسبة للعمل الجدي والانتاج الجيد وضمان استقلالية هذه الفرق ماليًا واستقرارها اداريا وتوفير الضمانات اللازمة لكافة اعضائها فنانين وموظفين وعملة.
لذلك كان يبذل قصارى جهده عند توليه ادارة اي فرقة قارة لوضعها خارج النفوذ المباشر للسلطة الثقافية الجهوية من حيث التصرف المالي او الاداري وكذلك وخصوصا من حيث التدخل في خياراتها الفنية وتوجهاتها الفكرية.
لم يكن ذلك سهلا في النظامين السياسيين السابقين لكن اصرار رواشد ومثابرته ولّدت وعيا عند المسرحيين بضرورة فرض استقلاليتهم المادية والمعنوية كشرط اساسي لبناء مسرح قادر على تحمل مسؤلياته في طرح قضايا مجتمعه ومرافقة تطوره ونقدها، وفي رفع مستوى الذائقة الفردية والجماعية.
اهتمامه بالوضع الاداري والمالي للفرق المسرحية الجهوية القارة ونجاحه في “انتزاع” استقلاليتها كمقوّم جوهري لوجودها سواء كان ذلك عند ادارته فرقة الكاف او القيروان او المهدية كاد يحجب عن الانظار صفة عبد الله رواشد الحقيقية كاحد اهم المخرجين والمنتجين للفن المسرحي في تونس.
المتابعون للشان المسرحي مايزالون يذكرون الاعمال العديدة التي قدمها رواشد في عشريتي السبعينات والثمانينات بالخصوص حيث ورغم انصهاره في موجة المسرح الاجتماعي المسيطرة وقتئذ فانه كان يقدم الفَرق والاضافة وكانت كل انتاجاته زاخرة بالاكتشافات الفنية الدقيقة.
ولقد كان واضحا ان ما يتميز به من تواضع وحب اطلاع جعلاه لاينقطع عن متابعة مدارس المسرح العالمية والاستفادة من اسهاماتها وتجدد تصوراتها والاستلهام منها لإثراء التجربة المسرحية الوطنية وانعاشها.
عناوين كثيرة تتزاحم في الذاكرة ونحن نستعرض مسيرته الطويلة نذكر منها”كل فول لاهي في نوارة”التي منعت بعد عرضها المائة والثمانين،و”الباسبرت”، و”الحزارة والخسارة” المقتبسة عن حلاق إشبيليا لماريفو، و “بنتي وشطر محكمتي” و “الحرس” و”سحابة من جراد و “اولاد الحلال”، و “الخماس” وغيرها من اعمال ابتُدعت او وقع اقتباسها عن مشاهير كتاب المسرح في العالم امثال بيتر فايس و هارولد بنتر او سعد الله ونوس الذي اخرج له رواشد مسرحيتين اثنتين وارتبطا بعلاقة انتاج مشترك لم تدم طويلا بسبب الوفاة المبكرة للمؤلف السوري الكبير.
مراسلات بين الرجلين تستحق ان تظهر للوجود ليطلع عليها اهل المسرح.
يُحسب لعبد الله رواشد ثلاثة مزايا قلّ ما توفرت عند غيره من اهل مهنته.
اولى هذه المزايا اعطاؤه الفرصة حين ادارته لمختلف الفرق التي سيرها للفنانين الشباب حتى يبرزوا مواهبهم كمخرجين ويقدموا اعمالهم ضمن برنامج الفرقة.
اما ثاني هذه المزايا فهو حرصه المتواصل على الاطلاع على انتاجات المسارح في العالم ومتابعتها باهتمام المتعلم الذي يكل من التعلّم.
ويبقى الوفاء والاعتراف بالجميل لمن ساعده ومد له يد العون في مسيرته الطويلة على غرار عبد الرؤوف الباسطي رئيس مصلحة المسرح في السبعينات او الطاهر بوصمة الوالي السابق الذي كان له الفضل في نشأة الفرق المسرحية في ولايات عديدة تولى تسييرها مزية اخرى توسم هذا المسرحي الجدير بكل احترام وتقدير.
