
نحن لا تنقصنا الأفكار الجيدة، لكن القدرة على اعطاء افكارنا البعد الحقيقي والتخطيط الجاد والفعال لانجازها هو الذي ينقصنا.
نحن اغنياء بالافكار والمشاريع، فقراء في الانجاز والتحقيق.
بالامس احتفلنا باليوم الوطني للباس التقليدي وهي فكرة جميلة وسديدة ولدت سنة 1996 تتمثل في حث الموظفين في المؤسسات الادارية على ارتداء اللباس التونسي القديم في هذا اليوم16 مارس من كل سنة احتفاءً بهذا العنصر التراثي الوطني المميز و أملا في انعاش قطاع اللباس والابقاء عليه حيا.
الفكرة كما قلنا جيدة لكنها جُردت تدريجيا من معانيها واهدافها الحقيقية.
لاكثر من سبب:
اولا لان ارتداء اللباس بقي اختياريا ومقتصرا على الموظفين ولم يتوسع ولم ينفذ الى عموم المواطنين ولم ينتشر تاثيره المرتقب ولم يحقق اهدافه سواء أكان ذلك على المستوى الاجتماعي ام الاقتصادي.
ثانيا وفي غياب تحديد ولو عام لنوعية اللباس التقليدي المقصود ولشكله خصوصا في ما يتعلق باللباس النسوي فقد ادى هذا اليوم الوطني الى معرض لكل الاشكال والالوان المتمازجة والمتنافرة خارج كل سياق واتساق مما اضرّ بمصداقية الحدث وافضى عليه طابعا فلكلوريا وهمشه.
ثالثا ولان اللباس التقليدي جزء لا يمكن فصله عن اي جزء اخر من مكونات تراثنا الوطني فكل سعي الى النهوض باي جزئ يتطلب الاخذ في الاعتبار ضرورة النهوض بكل الاجزاء الاخرى معا.
ولنا في منطقتنا المغاربية مثال حي ساطع، انه المثال المغربي.
لا يُترك الاختيار في المغرب لارتداء اللباس التقليدي بل انه يُفرض فرضا على خادمي الدولة، بدءًا بملك البلاد، وكافة الموظفين العموميين، حتى صار الزي التقليدي هو الزي الرسمي يُلبس إلزاميا في المناسبات الوطنية.
ونتج آليًا عن تعزيز اللباس التقليدي والرفع من شأنه تطوير متواصل لكل القطاعات الاخرى المتصلة بالموروث الثقافي المغربي من مهن العمارة والبناء، ومهن المعادن من ذهب وفضة ونحاس، ومهن الجلود، وكذلك وضمن نفس المسار، فن الطبخ وفن التزيين الداخلي.
وحرصت الدولة المغربية على مساعدة كل الصنائع الاخرى ومكن ذلك من المحافظة على الموروث الوطني و تطوير خصوصياته ودعم طبقة الحرفيين ورفع قيمية العرض السياحي وتنويعه.
شعوب اخرى لم تتخل عن مواريثها رغم انصهارها الكامل في الحداثة والتطور واول هذه الشعوب الشعب اليباني.
ويمكن كذلك الاستدلال بالمثل الخليجي العربي الذي لم يتنكر للباسه التقليدي مبقيا على عاداته المميزة.
لماذا فشلنا نحن في المحافظة على تقليد ارتداء لباسنا التقليدي وحولناه الى تظاهرة استثنائية قررها الحاكم؟
الحقيقة ان فشلنا يتجاوز اللباس ليشمل كل الصناعات التقليدية اذ سريعا وبحكم مفهوم سيئ للتطور وجدنا انفسنا في قطيعة وانقطاع مع موروثنا الصنائعي وتمظهراته المختلفة في اللباس والاكل والعمارة وغير ذلك من ميادين كان لتونس فيها معرفة واتقان وسبق وصيت فاق حجمها الجغرافي.
اليوم نريد ان نعود لكننا نختار الطريق الخطأ ونتعامل مع تراثنا تعاملا فلكلوريا سطحيا.
و حيث ان الاشياء حاضرة بمسمياتها فليس اكثر تحقيرا واستخفافا واستصغارا من عبارة “تقليدية”.
ألا يجدر بنا اذا اردنا النهوض بصنائعنا ان نبدل عبارة “التقليدية” ب”الاصليّة” او، وهو افضل، ب”الأصيلة”؟
بالامس احتفلنا ياليوم الوطني للباس التقليدي.
فلكلور وبعض الصور الرسمية. والى اللقاء في 16 مارس المقبل.
