د.خالد شوكات
زارني في المكتب اليوم أحد رجال الأعمال ممن يملكون مجموعة اقتصادية عريقة تعود إلى بداية سبعينيات القرن الماضي، لها إسهامات في الصناعة والسياحة والخدمات، وهي من وجهة نظر طبيعية – لا شعبوية- أيقونة من أيقونات الاقتصاد الوطني وعنوان من عناوين النجاح في بلادنا تستحق أن تدرّس للشباب الطموح الراغب في الاستثمار وبعث المشاريع وصناعة الثروة.
جاءني الرجل حائرا مهموما لا يدري ماذا يفعل، أو بالأحرى كيف يمكنه أن ينقذ مجموعته التي تشغّل آلاف التونسيين، في ظل غياب طرف موحد أو محدد يمثّل الدولة، وبالأحرى قادر على اتخاذ القرار..
المجموعة لها مستحقات بملايين الدنانير لدى وزرات و أطراف متعددة في الدولة بما في ذلك رئاسة الجمهورية، لم يتم تسديدها، ولا يبدو أنها ستسدد قريبا، فقد اصبحت دولتنا بمرافقها المختلفة بلا مصداقية، والأنكى عجز مسؤوليها عن اتخاذ القرار في ظل مناخ الخوف والشعبوية وملاحقات عدمية ما تزال تسمم عيش الكثير من رجال الادارة والدولة، وبالمقابل تلاحق ادارات حكومية متعددة مثل الضرائب والتأمين الاجتماعي والديوانة وغيرها المجموعة لدفع مستحقات تخلف سدادها، وقد ازداد العجز عن السداد خصوصا خلال سنوات الكورونا الأخيرة..
وضع هذه المجموعة الاقتصادية ليس شاذا، بل هو حال عديد المجموعات التي تشكل سوية اكثر من نصف القطاع الخاص، الذي يشكل بدوره ما لا يقل عن ثلثي الاقتصاد الوطني، ويشغل ثلاثة أرباع التونسيين الذين لديهم وظائف ومناصب شغل، فضلا عن معاناة المؤسسات المتوسطة والصغرى التي تعاني صعوبات غير مسبوقة، اضطرت عشرات الآلاف منها لإعلان افلاسها، وبدل وقوف الدولة الى جانبها مثلما فعلت جل دول العالم خلال الجائحة، فإن المناخ السياسي الذي فرض بعد انتخابات 2019 وخصوصا بعد 25 جويلية 2021 أضحى مناخا معاديا حاقدا محرّضا على القطاع الخاص ودفع الادارة إلى التحوّل الى مخلب بلا مشاعر لإيذاء الشركات والمؤسسات ومناخ الاعمال إلى درجة يصعب تخيلها، وقد تفضي إلى نتائج كارثية لا يعلم مداها إلا الله.
في تجارب التقدم والنهوض المقارنة، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا وغيرها، ابتدأ مسار التصحيح بالمصالحة الوطنية وبدعوة النظام السياسي القطاع الخاص للعمل المشترك من اجل خير البلاد وتحقيق أحلامها، من خلال عرض حوافز الدعم والتضامن والمساعدة لتجاوز الصعوبات والعقبات وتسوية المشكلات فالهدف واحد وإدراكه يقتضي هذه العقلية في التكامل بين القطاعات، أما ما هو حاصل عندنا فلم يكتفي بعدم ابداء الاستعداد لفض المشاكل بل ذهب الامر الى حد التأليب والاستعداد هذه سياسة غير مسبوقة لم تشهد تونس لها نظيرا حتى سنوات الاشتراكية في الستينيات.
الاستثمار محرك اساسي من محركات النمو، بوجهيه الداخلي والخارجي، وفيّ ظل مناخ عدم الثقة الذي يعرقل قدوم المستثمر الأجنبي، فليس اقل من المحافظة على المستثمر الوطني، خصوصا عجز الدولة وقطاعها العمومي على الاستثمار..
نحن في “تخميرة” حقد شعبوي لا شيء نفعل معها غير تخريب المؤمنين بيوتهم بأيديهم..
إنها مرحلة تدمير ذاتي بدل الحفاظ على المنجزات بدل العمل المشترك من اجل تعزيزها.
رأس المال الوطني جزء من الثروة الوطنية ومنجز من منجزات الدولة المستقلة..وما حك جلدك مثل ظفرك.
