
أحيانًا تأتي لحظة في حياتك تشعر أن الجميع إتفق أن يخذلك.
وفي أغلب الأحيان يكون الخوف عظيمًا ، لكن الأمر يستحق المواجهة بالحوار ؛ دائما!
أصبح حل المجلس النيابي من طرف رئيس الجمهورية بعد ثمانية أشهر من التجميد والتلاسن وردود الأفعال القاسية والتصعيد المستمر طامة كبرى تغطي في مداها على الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا..
بلاغات، تنديد، شعور بالحيرة والقلق صادرة من هنا وهناك داخليا وخارجيا، لتشعر أن هناك إتفاق للتنكيل بالشعب والاساءة المباشرة للدولة على رؤوس الملأ..
وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد، وعظوه سراً حتى قال بعضهم: “من وعظ أخاه في ما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه”.
الكل طالب منذ 25 جويلية بحل المجلس النيابي للذهاب الى انتخابات سابقة لأوانها في الآجال القانونية، لكن كما هو معلوم الانتخابات ستفضي بالنهاية لنفس النتيجة السابقة تقريبا اذا ما جرت بالقانون الانتخابي الحالي الذي من أهم مميزاته التصويت على القائمات (نظام التمثيل النسبي الذي اعتمد منهج أكبر البقايا)، مما يجعل الفائز الاول لا يمكنه الحكم بمفرده ويلتجئ الى الائتلاف والشراكة في الحكم والمحاصصة مع أحزاب مرجعياتها غير متناغمة سياسيا، بنتيجة اوصلتنا الى كوارث ادت في النهاية الى تعطيل الحياة السياسية في البلاد وترذيلها.
وعليه كان للرئيس سعيّد موقفا آخر، يتمثل في ان الذهاب للانتخابات يجب ان يكون على أسس جديدة مخالفة للسابق، استشارة ثم استفتاء ثم انتخابات تجرى في 17 ديسمبر القادم. اجندة واضحة لا ريب فيها ولا تراجع.
وطبعا هذا الخيار يتطلب وقتا أطول لا يروق للمنافسين السياسيين لأن تغيير القانون الانتخابي نتيجته غير مضمونة بالنسبة لمنظومة الحكم السابقة التي اظهرت فشلا ذريعا في ادارة الشأن العام على مدى عشرية كاملة ولم يفعلوا اي شيء يحسب لهم بالاضافة لارتكابهم اخطاء ثقيلة مثل التمويل الخارجي او قضايا اللوبيينغ اذا صدرت فيها احكام جزائية باتة في الآجال فسيكون مصيرهم الاقصاء من الانتخابات ومن الصعب العودة للحياة السياسية بنفس التشكيلات السابقة.
وكانت الاستعدادات جارية منذ مدة للتخلي عن التسميات الحزبية القديمة وتكوين احزاب جديدة واعادة رسكلة الاسماء البارزة للدخول في مواجهة جديدة لها نفس التوجهات القديمة.
ولكن لا تخلو المرحلة من المكر السياسي او هو ربما المقامرة السياسية تتمثل في الذهاب الى جلسة عامة افتراضية تضم النواب المجمدين لتقرير مصير البلاد بمحاولة نقل السيناريو الليبي الى بلادنا كحل لاقتسام السلطة بل الاستيلاء عليها ببرلمان فعلي يخطط له ايضا من الخارج والسطو على الحكومة الحالية بحكومة موازية ثم التوجه مباشرة لاقالة رئيس الجمهورية بعد ابطال كل قراراته الاستثنائية ومراسيمه وزعزعة اركان الدولة بالتدخلات الاجنبية في الشؤون الداخلية وكان تصريح اردوغان اخر هذه التدخلات السافرة وبروز صفحات تلوح بالتدخل التركي في تونس لنصرة الاسلام السياسي.
وهذه فرضيات لعينة عواقبها وخيمة ويجب التصدي لها بكل حزم وهو ما بدأ بفعله الرئيس سعيد الذي وان تباطأ في أخذ قرار حل المجلس النيابي الا انه استدرك الأمر في الدقيقة 90.
ولكن هذه الافكار والفرضيات لم تكن افتراضية فحسب بل كان قرار النواب المجمدين بقيادة راشد الغنوشي رئيس البرلمان المجمدة أعماله ونائبيه المرور مباشرة لتنفيذ مخططهم بالتصويت افتراضيا وكانت الحصيلة واضحة لا غبار عليها بـ116 صوت بدون اي معترض على الغاء القرارات الاستثنائية، واعادة عقارب الساعة الى ما قبل 25 جويلية وكأن شيئا لم يكن!!
بعد هذه النتيجة بسويعات جاء الرد مزلزلا بدءا بحل المجلس النيابي المجمد بالأساس من طرف رئيس الدولة وفتح تحقيق ضد جميع النواب المجمدين الذين صوتوا في الجلسة العامة الافتراضية، بتهمة التآمر على أمن الدولة وتكوين وفاق إجرامي.
وشاهدنا الجمعة الفائتة رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي وبعض النواب السابقين يُمْثلون أمام فرقة مكافحة الارهاب كدفعة اولى، منظر مخزي ثان بعد الوقفة الاولى امام باب البرلمان المغلق ليلة 25 جويلية في محاولة لدخول المجلس رغم قرار التجميد.
اليوم ولاول مرة منذ ان استلمت قيادة حركة النهضة الحكم في 2011 تنتظرهم أحكام قاصية في صورة اثبات تورطهم حسب الاتهامات الخطيرة ضدهم تصل عقوبتها الى الاعدام حسب أساتذة القانون.
على ماذا كانوا يراهنون؟ ربما على هبة شعبية تأتي على الأخضر واليابس او الاستقواء بالخارج؟!
سؤال يحير الجميع لماذا يعملون جاهدين لابعادنا عن واقعنا الاقتصادي والاجتماعي للتملص من المسؤولية وافشال اي مجهود جديد يمزق القديم ولو كان صالحا ويبشرون بمستقبل يشوبه الغموض، ومصير محفوف بالمخاطر.
لكن التفاف القوى الحية في البلاد حول الشرعية والمصلحة العليا للبلاد بقيادة اتحاد الشغل الذي ندد بمحاولة تقسيم البلاد وتعريض أمنها ومستقبل أجيالها للخطر بالنظر لنتيجة الجلسة العامة الافتراضية والتدخلات الاجنبية في شؤونها الداخلية والبدء لاعداد اطلاق مفاوضات باشراك المنظمات الوطنية ترسي نتائجها دعائم جديدة لدولة مزقتها الاختيارات الفاشلة التي عرضت الدولة لخطر العزلة وخطر النظرة “الدونية” لبلادنا وشعبها.
