
“المستقبل يُبنى على التناقض”(برتلد براشت مفكر وكاتب مسرحي ألماني)
ما من شك في أن قرار الرئيس سعيد فتح حوار تشارك فيه المنظمات الوطنية الأربع(الإتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية لحقوق الانسان) حول الإصلاحات الواجب إنجازها خطوة إيجابية باعتبارها تستجيب لانتظارات برزت منذ الأيام الأولى التي تلت قرارات 25 جويلية، وتزيل الغموض وتخرج الوضع السياسي من الجمود الذي تردى فيه منذ أكثر من تسعة أشهر.هي خطوة إيجابية لكنها قطعا غير كافية.
بل إنها، لو فكرنا مليا، خطوة قد لا تساعد كثيرا على التقّدم وقد تزيد الواقع السياسي الوطني انقساما والوضع العام تأزما.
لماذا؟ لأن هذا الحوار إن تمّ فسيكون منقوصا لأنه حصري وغير شامل ولا يمكنه من ثمّ أن يحقق أهدافه المنتظرة في اذابة الجليد وخلق الديناميكية الجيّدة والقوّة الدافعة للذهاب إلى “الجمهورية الجديدة” المعلنة بروح من التفاهم وفي جو من الوئام.
لأن حصر الحوار الوطني في مدة زمنية وجيزة وفي عدد محدد من المتحاورين مهما كانت قيمتهم يعطي انطباعا مبدئيا بأن الحوار أُريد به ان يكون مصمما على المقاس وحسب الطلب، وهو ما سيقلل من مصداقيته ويفقده الإهتمام والقيمة.
لأن-وهذا الأهم- الأحزاب السياسية أُبعدت عن هذا الحوار وغُيّبت عنه عمدا بدعوى رفضها لقرارات 25 جويلية ووقع اتهامها بالخيانة واللاوطنية.
وهنا تطرح الأسئلة الجوهرة التالية:اوّلا:كيف يمكن لحوار يهدف الى تحديد الإصلاحات السياسية ان يتم دون مشاركة الأحزاب السياسية؟
ثانيا:أليست الأحزاب السياسية، وهذه حقيقة واقعة في جميع أنحاء العالم، هي من تلعب دور الوسيط بين القواعد الشعبية والسلطة، وأنها تمثل الهيكل الاقدر على حمل الاطرواحات والمقترحات والتصورات وطرحها للنقاش والتحاور على النطاق الاوسع داخل المجتمع السياسي؟
وأنه يتعذّر اليوم في بلادنا تصور حوار وطني دون تشكيلات سياسية مثل الحزب الدستوري الحر رغم مواقف رئيسته المثيرة للانقسام، أو دون حزب حركة النهضة رغم انه محل اتهام ورفض، أو دون حزب العمال الذي لا يقدر أحد ان يشكك في حقيقة تاريخه النضالي، واحزاب اخرى كان لها كذلك الدور الفاعل في تحقيق الديمقراطية مثل حزب الجمهورية أو حزب التكتل و غيرها؟.
الحوار يجب أن يكون بنّاءً ولا يمكن لأي حوار ان يكون بناءً ما لم يُشرك الجميع وما لم يرتكز الى اطروحات وحجج مختلفة بل ومتناقضة.
لأنه بالاختلاف وبالتناقض تتشكل الرؤى وتتوضح السبل وتتولد الطاقات وتتجمع القوى.
ثالثا: اي جدوى من إعادة سيناريو رباعي حوار 2015 الى الركح والاقتصار عليه في الحوار المقترح والحال ان الظرف اليوم ليس الظرف والبلاد عرفت انتخابات وتحوّلات والمجتمع المدني تعزز بمنظمات برزت بحضورها وبنشاطها الفاعل والمؤثر، فلماذا يقع تجاهلها ولا تقع دعوتها، ولماذا يقع تغييب منظمة في قيمة وأهمية اتحاد الفلاحين مثلا والحال ان معركتنا المقبلة معركة غذاء، أو يقع تجاهل المنظمات النسوية، وهي رأس الحربة في حربنا الدائمة ضد التخلف والرجعيّة، مثل اتحاد المرأة أو النساء الديمقراطيات؟
وخلاصة القول:أن يفتح الرئيس الباب للحوار فهذا أمر محمود مطلوب.
لكن أن يقلص دائرة هذا الحوار الى مؤيّديه ومن يشاركونه آراءه وتوجهاته فإن الحوار يتحول عندئذ الى مونولوج أو مناجاة فردية كما يقول اهل المسرح.
مع الاختلاف ان المنولوج أو المناجاة لها أهميتها ووظيفتها في المسرح.
اما في السياسة فلا فائدة منها وهي مضيعة للوقت خطيرة.
