
تعرفت الى الأستاذ أحمد خالد كاتبا قبل أن ألتقيه انسانا ومسؤولا وطنيا واعمل معه لما يزيد عن الثلاث سنوات وقفت خلالها على ما كان يميّز الرجل من استقامة و نزاهة وجدية.
لم يكن احمد خالد مختلفا عما كانت توحي به كتاباته سواء منها مقالاته، أم بحوثه الأكاديمية، ام مؤلفاته الفكرية من وضوح في المنهج وقوة في المحاجّة واعتداد بالرأي.
كتب بانتظام في مجلة الفكر التي اسسها محمد مزالي، وفي مجلة الحياة الثقافية التي اسسها محمود المسعدي وتولى هو رئاستها لعدة سنوات، وفي منشورات وصحف اخرى تونسية وعربية مركزا اهتماماته حول شخصيات تنويرية برزت بنضالاتها الفكرية او/ والسياسية مثل الطاهر الحداد وسعيد ابي بكر وغيرهم.
التقيت احمد خالد اول مرة سنة 1976 في ندوة فكرية من تلك الندوات التي انقرضت لا نعلم لماذا والتي كانت تنظمها اللجنة الثقافية الوطنية في كامل ولايات البلاد متخذة سببا من تاريخ واسهام علماء واعلام الجهات لتنشيط الفكر والبحث العلمي في كل ولاية.
كانت الندوة في سوسة تتمحور حول شخصية يحيى ابن عمر صاحب كتاب “أحكام السوق” وكان احمد خالد يتراس آنذاك بلديتها.
ادركت سريعا، وانا أحاوره، ما كان يحمله من أحلام كبيرة لبناء أسس حياة ثقافية تعطي للمدينة التي كان يهيم بحبّها أبعاد عاصمة ثقافية جهوية وتمكن مواطنيها وشبابها بالخصوص من الصمود في وجه التهميش التفقير والتسطيح الفكري والثقافي وأمام زحف الإغراءات التي تتضمنها الحركة السياحية في الجهة.
التحقتُ بديوانه في وزارة التربية، ثم في وزارة الثقافة والاعلام، ثم في وزارة الثقافة من سنة 1988 الى سنة 1991. كان احمد خالد في كل مسؤولياته هو احمد خالد. لا يتغيّر ولا يساوم على مبادئه.
لم تكن يعنيه البقاء في المناصب العالية بقدر ما كان يهمه الوفاء لما أنذر له حياته من خدمة بلاده تونس ووطنه العربي والإسلامي من خلال المكوّنين الرئيسيين: التربية والثقافة.
لذلك لم يدخل في لعبة التحالفات والتكتلات ولم ينبطح ولم ينافق وحافظ على ما يمكن المحافظة عليه من استقلالية شخصية وشرف.
وفي كل موقع من مواقع المسؤوليات التي تحملها كان احمد خالد الأستاذ هو الحاضر دوما. استاذ في وقفته، في تصرفه في علاقته بالآخر، أي بأناقة واعتدال وصدق.
“الاعتدال في كل شيء”، هذه كانت جملته الحاضرة في مداخلاته أمام رجال التربية كما أمام اطارات الثقافة، لانه كان يعتبر ان كل ما يُبنى على التطرّف مخالفا للتربية الحقّة والثقافة الصالحة التي تنشئ العقول والمُهَج الخلّاقة الخيّرة وتمكّن من التواصل السليم بين الأجيال.
كان احمد خالد لا ينفك يعيد عبارة ابن خلدون القائلة ان “شرط تواصل الحضارة (“العمران” في القاموس الخلدوني) في المحافظة على السند الصحيح”.
والسند الصحيح بالنسبة لأحمد خالد لا يتوفر الا بتعليم جيّد وثقافة متطورةٍ، لذلك كان همّه الأساسي الدائم هو الكتاب: تأليفا وصناعة ومطالعة.
كان عند تولّيه وزارة الثقافة يريد بناء سياسة ثقافية محورها الكتاب لكن مدة بقائه لم تمكّنه من تحقيق مبتغاه ليجد نفسه ممثلا ديبلوماسيا لبلاده على التوالي في المغرب وروسيا.
بوفاته رحمه الله تُطوى صفحة أخرى من كتاب تونس المناضلة ويغيب وجه من وجوه الذين عملوا بصدق وأمانة من أجل بناء وطن مستقل، حرّ، متطور ومتضامن.ويكفي التذكير انه كان من مؤسسي اتحاد الكتاب التونسيين ومن مؤسسي الرابطة التونسية لحقوق الأنسان لندرك ان هذا الرجل السّوربوني المتمكن من لغة الجاحظ بنفس تمكنه من لغة فولتير والمتعلق بعروبته واسلامه قدر تعلقه بتفتحه على الآخر لم يكن يفصل بين قيمتيْ الإلتزام والحريّة. كان يعيشهما ويمارسهما.
رحمك الله سيد أحمد وأكرم مثواك أستاذي.
