
عندما يستشري الفساد ويتغلغل في كل مكان يصعب القضاء عليه لان هذه العملية محفوفة بالمخاطر ولا يقوم بها الا الشجعان حسب قول القاضي الشهير جيوفاني فالكوني:
“لأن الأمور هكذا، وهذا لا يعني ان تبقى كذلك. إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالتشمير عن ساعد الجد والبدء في التغيير، هناك ثمن لابد من دفعه، وعندئذ تفضل الغالبية العظمى التذمر عوضا عما يجب القيام به”.
وفلكوني هو صاحب مقولة “من لا يخاف الموت يموت مرة واحدة فقط ومن يخافه يموت كل يوم”..
جيوفاني فالكوني – هو واحد من أهم القضاة الايطاليين الذين قضوا حياتهم في محاربة المافيا على مستوى ايطاليا والعالم.
أجريت في عهده أكبر المحاكمات.. أشهرها محاكمة علنية لثلاثمائة زعيم من جميع فصائل التنظيمات الاجرامية المافيوزية ونقلتها التلفزة الايطالية.
الجدير بالذكر أن نشاطات “فالكوني” جعلته حبيس مكتبه ولأكثر من 10 سنوات كان يعمل في قبو مضاد للقاذفات تحت بناية المحكمة ويجلس إلى منضدة مليئة بأجهزة المراقبة لمن يقترب من مكتبه وإذا ما غامر بالخروج يرافقه موكب من سيارات الشرطة المصفحة.
وقد كتب يقول: “لست روبن هود، ولا أنا انتحاري.. أنا خادم للدولة في منطقة معادية”! وكان يؤمن بأن الواجب هو القانون الأعلى.
ورغم كل هذه الاحتياطات توصلت “كوزا نوسرا” من اغتيال جيوفاني فالكوني بالقرب من ضاحية كاباتشي ببالارمو (جزيرة صقلية جنوب ايطاليا) هو ومن معه في السيارة “زوجته وثلاثة من حراسه” في 23 ماي 1992.
وذلك باستعمال المتفجرات المفعلة عن بعد، وبعد ذلك بحوالي شهرين، في 19 جويلية 1992 تم اغتيال القاضي باولو بورسيلينو وقتل معه خمسة من حراسه وجرح 24، ببلارمو ايضا بنفس الاسلوب.
والقاضيان فالكوني وبرسيلينو هما زميلان في الحياة مرتبطان بمهنة كانت مهمة بالنسبة لهما: تحرير المجتمع المدني من قمع النبات السيئ “المافيا” التي ولدت وتعيش وتزدهر في نفس المزاج المغذي الذي أنتجته صقلية.
وهو تحدي مذل أجبر الدولة الايطالية على اعلان الحرب على عصابات المافيا بنتائج ملموسة انتهت بالقبض على زعيم زعماء كوزا نوسترا الاجرامية “سالفاتوري ريينا”وآخرون.
واذ نحمد الله ان بلادنا بامكانها الان وليس غدا، القضاء على الفاسدين والمجرمين اذا ما توفرت العزيمة لانه ورغم كل شيء بلادنا لا تسكنه العصابات المنظمة الخطيرة والشرسة ولا يمكن بأية حال مقارنتها بمافيات العالم التي تصعب مقاومتها ومحقها من جذورها..
الارادة السياسية والشجاعة والضرب بقوة هي المضادات المناسبة لكسر بوادر تكوين مافيات قليلة العدد لكنها مخربة للاقتصاد والدولة والمجتمع..
فماذا تنتظر بلادنا لتقي المجتمع من النبات الضار الذي تغلغل في مفاصل الدولة ومن سيطرة الكناطرية على نصف اقتصاد البلاد بنتيجة كارثية على مداخيل الدولة من الجباية.
كما لا يمكن الاستهانة بمواقف الرئيس قيس سعيد الذي بدأ حربه على الفساد منذ فترة معولا على مساندة الشعب له والقوى النيرة في البلاد في مقدمتها قواتنا الامنية والعسكرية وهو عمل تأخر كثيرا لاسباب عديدة يطول شرحها هنا، لكن على الاقل هناك بداية جادة تستدعي من كل مواطن نزيه ان يساندها ولو بالسكات، لان الشعب التونسي مل الانتظار وانصاف الحلول وكثرة المعارك الحزبية من اجل التموقع وتعطيل دواليب الدولة.
يجب ان تكون هناك معارضة ديمقراطية لتقوم بدورها الرقابي ولخلق توازن بين السلط ولكن دون خلق مشكلات جانبية تلهينا على مصلحة الوطن.
