
سيدي رئيس الجمهورية
تحيةَ احترام وتقديرٍ،
وبعد،
لست متأكدا مما اذا كنتم ستقرأون رسالتي هذه. رسائل كثيرة كُتبت لكم ولا إجابة ولا أثر.
لكني لن أتراجع عما أعتقد أنه من واجبي_وحقّي_ في التعبير لكم عما أصبحتْ نفسي المواطنة تلحّ علي قوله إزاء ما آلت إليه أمور بلادي منذ مدّة، وبالتحديد منذ 25 جويلية يوم أقدمتم، بناءََ على تأويل شخصي مفرطٍ للدستور، على تغيير وضع البلاد السياسي ثم ومن ذلك، على تبديله تبديلا ممنهجا شاملا وتوليتم كل السلط وجمعتموها كلها في يدكم تشرّعون وتنفذّون وتُحيلون على المحاكم وتعيّنون في المناصب وتعزلون منها من تشاؤون.
وزدتم فعزمتم على إعداد دستور جديد أوكلتم كتابته لمن أردتم حتى يكون دستورا على حدّ مقاس تصوركم لنمط الحكم-رغم انها نفس ذات الذريعة التي استعملتموها لتعطيل العمل بدستور 2014- اعتمادا على استشارة إلكترونية يتفق الجميع بمن فيهم مؤيدوكم اللامشروطون على انها لم تحقق النجاح المطلوب.
إني ما زلت على ما كتبته منذ اليوم الأول من أن ما قمتم به انقلابا، وسابقة تاريخية خطيرة ستكون لها تداعياتها في مستقبل العمل السياسي بالبلاد، إن ليس على المدى القريب فالمتوسط ما لم يقع تدارك أمور عديدة.
لكني مثل كثيرين انتهى بي الأمر بقبول الواقع آملا ان يجلب الشرُّ الخيرَ وان نخرج ببعض النتائج فلا يزداد الوضع سوءً عما كان عليه قبل 25 جويلية.
ولكني أشك جدّا سيدي الرئيس، وكل يوم يمرّ يزداد شكي وخوفي.
لقد كنتم غداة انتخابكم في خريف 2019 تمثلون الأمل. تراجع ذلك الأمل ومضى يتضاءل كل يوم .
لأن النخبة السياسية التي يجب ان تحمل هذا الأمل أصبحت”مضروبة”، مهمّشة ومرفوضة، وتتحملون انتم سيدي الرئيس المسؤولية في ذلك.
فلقد بذلتم قصارى جهدكم في مهاجمة هذه النخبة وحملتموها كل مآسي التونسيين الحالية.
بعض مآخذكم قد تكون صحيحة لكن ليس كلها، غير ان خطاب التعميم الذي تتوخونه، فضلا عن تشنّجه وحدّته وجنوحه الى الإتهام التّخوين، أدى، بدعمٍ من بعض وسائل الإعلام التجارية وصفحاتٍ من شبكات التواصل الاجتماعية المسخّرة، الى انتشار الاعتقاد أن “كل السياسيين فاسدون”(tous pourris) بعد ان وضع كل النخبة في “شكارة واحدة”، وأفرز ذلك الاعتقاد سريعا غضبا ونقمة على كل منظومة سياسية قائمة او ستقوم مستقبلا، لانه يصعب تصوّر ان يتغير حال التونسيين كما بعصا سحرية في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الراهنة الصعبة محليا وعالميا، والآتي أصعب.
سيدي الرئيس، هل يعيش شعب بلا أمل؟ هل تعيش دولة وشعبها تتقاذفهم أمواج الكراهية والسخط بعضهم على بعض، وتدفعهم ارادة الانتقام بعضهم من بعض؟
لقد إرتأيتم سيدي بحكم السُّلط التي اعطيتموها لنفسكم ان تغيروا الدستور.
انا وكثيرون مثلي لم نطلب ذلك ونعتقد انه كان بالإمكان العمل بدستور 2014 مع تنقيحه دون كل هذه الخلافات والنزاعات والصراعات التي تنفد الدولة وتزيد من استنزاف طاقتها وتعمق التفرقة بين أبنائها. انتم أدرى سيدي الرئيس بان الدساتير لا ثمثل ضامنة للديمقراطية والاّ لكان الإتحاد السوفيتي افضل ديمقراطية بدستور سنة 1936، وما كانت بريطانيا العظمى لتكون مهد من مهود الديمقراطية وهي التي لا دستور لها.
إن قراركم تغيير الدستور على ما يمكن ان يكون له من فضائل لا يعدو، بالطريقة الاحادية التي فرضتموها ودون فتح أبواب التشاور والتحاور وتبادل الآراء، أن يكون الا تسلّطا لا يخلو من ترهيب فكري.
وليكن دستورا آخرا جديدا مادامت قد تعلقت همّتكم بذلك، ولكن لماذا إقصاء منافسيكم ومن يخالفونكم الرأي؟ هل مثل هذه الممارسة ديمقراطية حقّا وهل تضمن نجاح وديمومة منظومة الحكم المستقبلية وتوفّر لها قوة الشرعية مع قوة القانون؟
الديمقراطية سيدي الرئيس هي ليست فقط نصوص قانونية وانتخابات وحكم الأغلبيه.هي اكبر من ذلك، “هي انشاء لتقاليد وعادات فاضلة، هي ثقافة، هي شعور بالواقع وتشبّع بالوعي المدني، هي احترام للمنافس، هي مدونة اخلاقية”-القول لمنداس فرانس.
كيف تكون ديمقراطية دون أحزاب سياسية ومنظمات وطنية ذات توجهات مختلفة ومتعددة تثري الحوار وتتقدم بالوعي الساسي؟ نحن لم نبتدع الديمقراطية سيدي الرئيس، لكن الثابت ان الديمقراطية التي “هي أسوأ الانظمة السياسية بإستثناء أنظمة الحكم الأخرى التي تبقى أسوأ منها”، على حدّ قول ونستن شيرشل، لم تستقم في اي بلد في العالم دون الاستناد الى أحزاب سياسية، رغم ما يمكن ان نقول في وعن هذه الاحزاب السياسية، ومنظّمات قومية لها قواعدها وتمثيلياتها الشعبية.
قد يكون من هذه الأحزاب والمنظمات ما لا يوافقكم الرأي، فهل في ذلك ما يمكن ان يبرر تغييب أحزاب البلاد ومنظماتها الأهم والأكثر تمثيلية عن حوار يُنتظر منه تحديد نمط الحكم في البلاد؟ لم يعرف الإنسان منذ ما يزيد عن الخمسة وعشرين قرنا افضل نظام سياسي من الديمقراطية الليبرالية، ولم تعرف الديمقاطية الحديثة أنجع من التعددية الحزبية لتحقيق هذه الديمقراطية و ضمان تواصلها.
اللهم اذا كانت الديمقراطية التي نريد هي من تلك الديمقراطيات المغشوشة التي ظاهرها ديمقراطية وداخلها دكتاتورية والتي وضعها اهل السياسة تحت مسمى”الديمقراطورية” démocrature.
سيدي الرئيس، أصدُقهم القولَ: أنا لم أصوّت لكم في خريف سنة 2019، كما لم اصوّت لمنافسكم نبيل القروي رغم ما كانت تجمعني به من صداقة مهنية.
لم اصوت لكم لأنكم لم تقدّموا برنامجا انتخابيا. ولم اصوّت له لأن البرنامج الذي قدمه لم يقنعني. ولكن وما أن وقع الإعلان عن فوزكم حتى باركته واعتبرتكم رئيسي ورئيس كل التونسيين، من انتخبكم منهم ومن لم ينتخبكم.
كنتم سيدي الرئيس غداة انتخابكم على طريق ملكية لتحقيق المصالحة بين التونسيين مثلما فعل ذلك منديلا في جنوب إفريقيا والملك كارلوس في إسبانيا بعد موت فرنكو، ومثلها فعل محمد السادس في المغرب بعد رحيل الحسن الثاني.
بدلا من ذلك، ولا ندري لماذا، اخترتم طريقا ضيّقة ورحتم تكيلون الأوصاف والنعوت تفرقون بين افراد الشعب التونسي الذي اختاركم وكاد يبايعكم وتُميّزون بين وفيّه وخائنه، بين وطنيّه ومُباعه.
على أية أساس وبأية معايير؟ لا أحد سيدي الرئيس يمتلك” الحكم على وطنية التونسيين ولا على مدى حبهم للوطن حتى وان كان رئيس البلاد، خصوصا اذا كان رئيس البلاد الذي تفرض عليه وظيفته السموّ فوق المصالح الحزبية والتعالي على الانتماءات الفيئوية.
يؤلمني سيدي ان أرى بلادي اليوم معزولة في محيطها المباشر والقريب وقد كانت مثلا في الانضباط و الاعتدال والوسطية، ما أهلها ان تكون لعقود طويلة قوة توسّط وتحكيم وصوت العقل المسموع.
يخيفني سيدي الرئيس وضع بلادي اليوم وانا اراها رأي العين مهددة بأسوأ المخاطر. ويزيد من حدّة شعوري بالإحباط توفّرُ كل المكوّنات لانفجار ناسف-لا قدّر الله-، فأنا عشت 26 جانفي 1978وحضرت 4 جانفي 1984 ولم أنس.
سيدي رئيس الجمهورية، ما يزال وقت للاستدراك، ولن يعيبكم لو اعدتم النظر في التمشي الذي اخترتموه وفتحتم باب الحوار مع كل الأحزاب والمنظمات الوطنية الوازنة، بل سيجعلكم أكبر في عيون شعبكم كما في عيون منافسيكم، لأن الانسان لا يتحاور الاّ مع من يخالفونه الرأي.
سيدي الرئيس لا تتركوا تونس تذهب إلى هلاكها ولا تتحملوا مسؤولية هذا المآل.