
شخصيا لم أكن اعتقد لحظة واحدة ان تكون هناك إمكانية لاتفاق بين الحكومة والإتحاد العام التونسي للشغل لحلّ الازمة القائمة بين الطرفين والغاء الإضراب العام في الوظيفة العمومية المقرر غدا الخميس 16جوان.
بل إني لم أكن أتصوّر أن يبلغ التفاهم بين الاتحاد والرئاسة، ظاهريا على الاقل، كل ذلك الوقت الذي بلغه، أي حوالي سبعة أشهر أبدى خلالها قادة الإتحاد مساندتهم لقرارات 25 جويلية معلنين بصوت عالٍ وواضح رفضهم العودة إلى ما قبل ذال التاريخ.
الاختلاف ثم الخلاف ثم الفجوة، واليوم المواجهة، كانت منتظرة لمن يعرف الإتحاد وفهم طبيعية شخصية الرئيس سعيّد.
الإتحاد اصطفّ الى جانب الرئيس سعيّد لدعم قرارات 25 جويلية لسببين اثنين اساسيين، اولهما ادراكه السريع لقيمة تلك القرارات كاستجابة لانتظارات شعبية عميقة فرضتها المصاعب الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، وما تقتضيه مصلحته من ضرورة الأنصهار في الديناميكية الشعبية التي تولّدت عن تلك القرارات، وثانيهما أن العنصر المكوّن الغالب على قيادة الاتحاد ذا التوجّه اليساروي والمناهض طبيعيا للقوى السياسية المحافظة ممثلة أساسا في حزب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، هذا العنصر يدفعه انتماؤه للوقوف الى جانب قيس سعيد الذي جعل من هذه الأحزاب هدفه الأول.
الأمور تغيرت منذ شهر ماي حين فهم قياديو الاتحاد ان الرئيس الذي دعموه ووقفوا الى جانبه لن يعطيهم الدور الذي ينتظرون ان يمنحه للإتحاد في عملية الإصلاح الذي بشّرت بها عملية 25جويلية.
عندئذ انطلقت المواجهة واشتدت فحدثت القطيعة ولجأ الإتحاد الى سلاحه المطلق:اعلان الإضراب العام.
والحقيقة ان التفاهم والانسجام الذين ظهرا إبان 25 جويلية بين قادة الإتحاد ورئيس الجمهورية كانا نتيجة سوء تفاهم، لانّ الذي يحصل اليوم كان يجب ان يحصل. انه في الترتيب المنطقي للاشياء.
عظم الخلاف بين الرئيس سعيّد وقادة الإتحاد تكمن في الصورة التي يرسمها كل طرف لنفسه والدور الذي يراه دوره لا ينازعه في أحد.
الرئيس سعيّد أكّد بعد 25 جويلية ان له مشروعه الشخصي الذي يريد تحقيقه مهما كان الثمن ليكتب بذلك اسمه في التاريخ كمنقذ للبلاد، وهو لا يحتاج لأي مساعد أو شريك يحجب عنه ضوء النجاح أو يعطل مسيرته، خصوصا اذا كانت له تصورات مختلفة أو معارضة لتصوّراته.
الإتحاد، “اكبر قوة في البلاد” كما رسخ ذالك المعتقد منذ قيام الثورة، لا يريد، من جانبه القبول بدور يُراد منه إدخاله بيت الطاعة، أو وضعه على نفس مستوى المنظمات الأخرى.
الإتحاد يعتبر ان تاريخه أهّله منذ قُبيل الاستقلال ان يلعب دورا متعدد الإبعاد سياسيا واجتماعيا وثقافيا، ولا يبدو مستعدا للتنازل عن هذا الدور.
لأن تنزاله حتى جزئيا يعني نهايته كقوة احتجاج اجتماعي طبيعيا، ولكن كذلك كقوة ضغط ومعارضة سياسية ملات غياب الأحزاب السياسية في اكثر من مرحلة وحقبة تاريخية ولعبت دور المُعدِّل والمُوازِِن.
بل ان تنازله يعني نهايته كاتحاد بكل بساطة.
إضراب الغد كان اذن منتظرا حتى لا نقول حتميا وفي ترتيب الطبيعي للاشياء.
والسؤال: ماذا بعد الإضراب؟
الجواب: إذا وقع الإضراب ونجح فإن تونس سيدخل مرحلة الخطر حيث يمكن ان يحدث اي شيء. حدث ذلك في جانفي 1978 وفي جانفي 1984 وفي 2008 في الحوض المنجمي.
التاريخ يعلّمنا ان الحركات العمالية تتنصر في النهاية.
وهذا ما يجب ان يتذكره أنصار الرئيس.
