
فشِل ائتلافُ “معًا”الذي يقوده الرئيس ايمانويل ماكرون في الحصول على عدد المقاعد التي تضمن له المحافظة على الأغلبيه المطلقه في الجمعيّة الوطنية(البرلمان) حيث لم يحصل إلا على 230 مقعدا. إنها، بلا منازع، هزيمة شخصيّة ساحقة للرئيس الفرنسي.
على المستوى الوطني فان نتائج الانتخابات التشريعيّه التي سجّلت صعودا بارزا لحزب “التجمّع الوطني” اليميني المتطرف بحصوله على98 مقعدا، وتحوّل “الاتحاد الشعبي اليساري” الذي يتزعمه جون-لوك ميلونشون الى القوّة المعارضة الأولى ب 149 مقعدا، و هي النتائج التي أفضت في النهاية الى مشهد برلماني مُجزّأ ومقسّم، يبدو معه حكم البلاد أمرا صعبا تمثّل، دون شك، زلزالا سياسيا تاريخيا لم تشهد الجمهورية الخامسة له مثيلا.
لسائل ان يسأل:ما الذي يعنينا في ما وقع في فرنسا؟
الجواب: ما وقع -ويقع- في فرنسا يعنينا للأسباب المعلومة، سواء أتلك المتعلقة منها بالتاريخ او الثقافة او الإقتصاد وغيرها من المصالح التي تربطنا بأهم شريك لتونس. ولكنه يعنينا بصفة أخصّ في هذه الأيام ونحن نستعد لاكتشاف مشروع دستور الجمهورية الثالثة الذي عزم الرئيس سعيّد على إنجازه، حتى نستخلص الدّرس، بل الدروس، مما يحصل في بلاد المستعمر السّابق.
الدرس الأول ان الطبيعة لا تأبى الفراغ وأن الأحزاب السياسية التي اعتقد الرئيس ماكرون انه قادر على تجاوزها و “خدمة المواطنين دون يسار ولا يمين”، كما كان يؤكّد طيلة مدته الأولى، قد عادت ولكن ليس كما كان يتمنّاها هو ويتمناها شركاءُ فرنسا.
فلقد عادت هذه الأحزاب ضمن تمحور ثلاثي متكوّن من وسط حاكم لكنه ضعيف وهشّ، ومن يسار راديكالي أصبح من جديد في قلب اللعبة السياسية، ومن يمين متطرّف سيكون له هذه المرة كل ما يحتاج من إمكانيات وقدرة على التأثير، وبالنتيجة، من دور وازنٍ في البرلمان.
الدرس الثاني، وهو نتيجة وامتدادا للأول، أن الرئيس ماكرون عمل على إضعاف الأحزاب الكلاسيكية وهمّش دورها فكانت ردّة الفعل ابتعاد الناس، وبالأخص الشباب منهم، عن الممارسة السياسية وتولّدَ عن ذلك عزوفٌ متزايد بلغ 54% في نتائج انتخابات أمس، وهي نسبة كارثيّة تشكّل الخطر الأكبر على الحياة الديمقراطية في أي بلد حيث تبقى مشاركة المواطن الشرط الاساسي لتواصلها وتطوّرها.
الدرس الثالث يمكن ادراجه تحت عنوان عودة البرلمان. هنا ايضا يتحمّل الرئيس ماكرون المسؤولية في ذلك، وهو الذي بذل كل ما في وسعه كامل مدّته الأولى لتغليب النزعة الرئاسوية وجعل القرار عموديا يمسك هو فيه بكلّ المفاتيح.
الواضح اليوم، وعلى ضوء نتائج أمس، أن المواطنين الفرنسيين ضجروا من سلطة الرئيس المطلق le chef d’État jupitérien، واعادوا الأمور إلى نصابها وفرضوا على رئيسهم ان ينزل من عِليائه ويتقاسم النفوذ مع الحكومة التي لن يكون تشكيلها كما يحبّ، ومع البرلمان الذي سيكون حاضرا فاعلا عند كل نصّ قانون، والاّ فإن الشلل السياسي سيكون المآل.
الدرس الرابع والأهم، وكنتيجة لما سبق، فإن فرنسا تبدو اليوم، وعلى ضوء النتائج التشريعية الاخيرة على أبواب تحوّل سياسي جوهري قد يدفعها الى الالتحاق بشركائها الألمان والايطاليين واختيار نهج التشارك والتوافق- نعم، أعلم انها عبارة منبوذة!- وأن تعمل الأحزاب على قاعدة برنامج مشترك يحثها باستمرار على التقارب من اجل المصالح الفضلى للمواطنين، عوض ان تقضي وقتها في البحث عن تدمير بعضها البعض.
