
روما عاصمة ايطاليا من أهم مدن العالم يطلق عليها تسمية “المدينة الخالدة”، لمحافظتها على جمال معمارها وحضارتها الغابرة واثارها الصامدة لآلاف السنين، والتي تصنف معظم معالمها الحضارية من طرف اليونسكو كتراث عالمي لكل البشرية..
كيف حافظ سكان روما على كنوزهم الثقافية؟ او قل كيف تسنى لهم العيش بين حقبات تاريخية متنوعة وأساطير بديعة ومخيفة الى حد اليوم في نفس المدينة؟ هو فخرهم وغيرتهم على مدينتهم الى حد المبالغة!!
روما تبعد عن تونس ساعة طيران تقريبا، لكن بظروف تونيسار الحالية يمكن ان تطول المدة وتطول الى ما لا نهاية! لم تعد “الغزالة” المؤسسة العمومية رقم واحد من كل النواحي لقد امتدت لها يد العبث والعمالة الزائدة ودخلها الفساد مثل المؤسسات العمومية او شبه العمومية الاخرى في العشرية السوداء.
ثم لماذا لا نتبع الطريقة الايطالية في المحافظة على كنوزهم الثقافية وتثمينها وتقديمها بصورة تشبه واقعها او حقباتها التاريخية.
خاصة ان معظم اثارنا ومعالمنا هي رومانية بحتة.
فبعد سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد، قد وقعت تونس تحت الحكم الروماني حتى سنة 431 ميلاديًا، وخلال تلك الفترة عرفت البلاد ازدهارًا كبيرًا على جميع الأصعدة، واحتوى المجال التونسي خلال العهد الروماني على أكثر من 200 مدينة، حسب كتب التاريخ، من هذه المدن نذكر إضافة إلى قرطاج، هدرومتوم (سوسة) ونيابوليس (نابل) وتوقا (دقة) ومكتريس (مكثر) وسيكا فينيريا (الكاف) وأوينا (أوذنة) وتيسدروس (الجم) وغيرها من المدن التي أنشئت أو أعيد تهيئتها على النمط الروماني لتوطين الجيوش وعائلاتهم.
ماهي مهمة وزير السياحة التونسي، اذا لا يلقي نظرة على عواصم العالم ويقارن بينها وبيننا؟، ويضع بلادنا التي لا ينقصها شيئا عدا الاهتمام والتركيز في خانة العواصم الأكثر جاذبية وجمالا وتاريخا وعمارة، وكل معالمنا تستحق اعادة عرضها عالميا على سوق الشغوفين بالاستكشاف والمعرفة والغوص في التاريخ..
لماذا لا تلقى مدننا الثقافية والتاريخية العناية الكافية حتى من ناحية نظافة شوارعها وانهجتها وصيانة مبانيها ومعالمها ومطاراتها وطرقها وتاكسياتها؟..
لماذا لا يقع تثمين مواقعها الاثرية الجميلة ومقامات اوليائها الصالحين؟ لقد عرفنا من باب الصدفة ان مقهى سيدي بالحسن بتونس العاصمة المتواجدة بالمقام على ربوة مقبرة الجلاز، هي اقدم مقهى في العالم، فلماذا لا تهتم وزارة السياحة بها وتهذيب الطريق المؤدية لها، كذلك مقهى العنبة في الاسواق بالقصبة الذي يقال عنها انها اقدم مقهى بافريقيا. يجب علينا ترميم أنهج وأرصفة الاسواق العتيقة المتآكلة وتطهيرها من الاوساخ والمياه السائبة رغم انسياب رائحة البخور العربي..
لقد فرطنا حتى في المحافظة على منتوجاتنا التقليدية الأصيلة التي اخذت مكانها صناعة الصين المقلدة وتباع في اسواقنا بأقل الأثمان.. نعم لحملات جلب السياح باعداد كبيرة ولكن ماذا سيجدون في بلادنا يدل على 3000 سنة حضارة..
اين سيتجولون؟ وهل سيعودون؟ اين سيتذوقون اكلاتنا ومشروباتنا المعروفة في كل العالم مثل الكسكسي والبريك والشاي الاخضر بالنعناع، ومشروب الليموناضة.
هل بامكاننا ادراج اكلاتنا التقليدية في مطاعم الفنادق الفخمة وفي اي مكان سياحي اخر؟ والحرص على تقديمها قبل اي اكلات اجنبية اخرى.. يجب ايقاف نزيف المقلد والزرابي التي اصبح ثمنها يتندر به وكفى من جر السياح بالقوة للدكاكين والمحلات التجارية الباهتة..
يجب على السلط السياحية اعادة الصورة الناصعة لبلادنا بتثمين خصائصها الطبيعية الأصيلة وتنويعها، بحر وشمس وصحراء وعروض الفروسية والمهرجانات الفلكلورية والاهتمام بصناعة اللباس التقليدي الاصيل.
ولا ننسى الرقابة الصحية والامنية والنظافة ومراقبة الاسعار وكرم الضيافة وحسن الترحيب الذي تميزنا به منذ القدم..
سياحتنا مكلفة وستبقى موسمية لان الحل يكمن في امضاء اتفاقية “السماء المفتوحة” وعدم التلكأ في اتخاذ القرار الانفع لبلادنا لان حماية التونيسار من التلاشي ليس له مبرر فهي غير قادرة على المزاحمة رغم ضخ الدولة فيها المليارات دون جدوى، فالطيران الرخيص له خصائصه كتدني الخدمات واختزالها والاعتماد على المطارات الجهوية والثانوية لتشغيلها وتنمية الجهات القريبة منها واحداث حركية داخلها كامل السنة. سبقتنا المغرب في الانضمام لاتفاقية السماء المفتوحة وهي تنعم الان بتدفق كبير للسياح وحتى المهاجرين المغاربة الذين اصبحوا يعودون الى بلدهم اكثر من مرة في السنة نظرا لرخص تذاكر السفر. ولم تعلن الخطوط المغربية افلاسها بل حافظت على ميزاتها المتعلقة بالخدمات الجيدة والرفاه.
