
قرأت قراءة سريعةً ولكن باهتمام حقيقي حتّمته الأحداث التي تتالت منذ 25 جويلية وغيّرت واقع البلاد السياسي، محدثةً توقعاتٍ وانتظاراتٍ في الداخل والخارج، ودون أي نيّة خفيّة رغم أني لم أُخفِ منذ المنطلق احترازي إزاء “عملية القوّة”coup de force التي تمّت في يوم الاحتفال بعيد الجمهورية في السنة الماضية، قرأت نص الدستور الذي جاء لملإ فراغٍ أصبح ينذر بأكبر المخاطر بعد وضع البلاد في حالة مستحيلة بين دستور مُلغى-فاعلٍ وآخر مُعلن-غير موجود.
اليوم لنا نص دستور جديد مقترحٌ، مزيّته في وجوده، والواقعية السياسية تفرض ان نتعامل معه بجديّة ومسؤوليةٍ تكريسا لمبدإ تواصل الدولة على أساس علويّة القانون التي يبقى الدستور مصدره ومرجعه.
النزاهة الفكرية تقتضي منا قراءة أعمق واشمل يكون لأهل الاختصاص رأي في بلورتها في إطار حوارٍ وطنيّ يشحذ الفكرَ ويولّد الآراء ويساعد المجموعة الوطنية على الإسهام الحيّ الذي يجعلها تمتلك هذا النص الجوهري.
لأنه لا قيمةَ ولا فائدة لنصّ لا تشعر المجموعة انها تمتلكه.
وفي انتظار ذلك فإن ما سيأتي لاحقا يبقى من باب رد الفعل الساخن أسوقُها في ملاحظات ثلاث:
أولا فإنه من الواضح أن هناك مفارقة ظاهرة تصدم المتأمّل للوهلة الاولى في نصّ الدستور الجديد، وتتمثل في أن هذا النصّ يُطرَح وكأنه استمرارية لنص دستور 2014، اذ أن الأمر الذي بموجبه يُعرض للاستفتاء الشعبي يوم 25 جويلية المقبل وينشر في الرائد الرسمي، يتمّ بالاعتماد على الدستور القائم حيث جاء بالعبارة في مقدمة الأمر “ان رئيس الجمهورية بعد الاطلاع على الدستور”…
قد يبدو الأمر شكلانيا ذا قيمة ثانوية، لكنه لا يعدو ان يكون كذلك مصدرا لأكثر من تساؤل ملحّ حول علاقة النص الجديد بالقديم: هل هو إلغاء واعادة بناء، ام عمليّة اصالاحية-تصحيحية، ام تكييف حسب الطلب لمسالة السلطة؟
الجواب يبقى عسيرا في ظل استئثار واضح جلي للجهة التي كتبت النص على حساب مشاركة وطنية تضمن اسهام مختلف الشرائح الشعبية لكنها لم تحدث، ما يجعل الدستور في النهاية “دستور قيس سعيّد”، ولنكن متأكدين انه سيُسمّى كذلك كُتب له الدوام أم قُّدر له الزوال.
الملاحظة الثانية، ومتابعة لما سبق، فإن هذا الاحساس بالتردد وب”بين-بين” يظهر سريعا في التوطئة و خصيصا في باب الأحكام العامة والفصلين الخامس والسادس اللذين عوّضا الفصل الأول في الدستورين الاثنين السابقين، ذلك ان التنصيص علـى ان تونس”جزء” من الأمة الإسلامية ومن الأمة العربية فيه استنقاص من انتماء تونس السابقة وليست التابعة او اللاحقة، في الإسلام كما في العروبة وحتى في بعدها المغاربي، ولفظ “جزء” هو لغويا لفظ اختزالي قاسم اضطرّ الفلاسفة والمتصوفون العرب إرفاقه بعبارة اخرى مكمّلة حتى يفي بالمعنى فيقولون”جزء لا يتجزّأ”، وهو ما كان يُستحسن اللجوء لاستعماله.
تونس القيروان، وتونس الزيتونة، وتونس المهدية، لا يمكن ان تكون “الجزء”ولا يرضيها الاّ ان تكون الأصل عربيا واسلاميا ومغاربيا.
الملاحظة الثالة والأهم تتعلق بالتأكيد بالأساس في هذا الستور الجديد، الا وهو نظام الحكم الذي حوّله الرئيس سعّيد من نظام برلماني معدّل في دستور 2014 الى نظام رئاسي قوي، أو إن صحّ التعبير، الى نظام رئاسي “مطلق”. لا نقول حوّله بل عاد به الى ما قبل 2011.
بعد النّظر في نص الدستور، ماذا يلصق بالذهن؟
أن الرئيس يعيّن الحكومة، أن أعضاء الحكومة يعينهم الرئيس بالتشاور مع رئيس الحكومة، أن الرئيس لا يسأل عن الأعمال التي قام بها في إطار أدائه مهامه، وإن مهمة الحكومة تنفيذ سياسة رئيس الجمهورية ، وأن الحكومة مسؤولة أمام رئيس الجمهورية، وأن رئيس الجمهورية يمدد مدته الرئاسية بنفسه في حالة”الخطر الداهم”، وأن المبادرات التشريعية الخاصة بقوانين المالية حكر على رئيس الجمهورية، وانه في العطلة النيابة يعوّض رئيس الجمهورية السلطة التشريعية عبر المراسيم، وأنه يمكن حل البرلمان بقرار من رئيس الجمهورية…
مثل هذا النظام الذي يدور فلكه حول رجل وحيد هو شخص رئيس الجمهورية جُرّب فلم يصح.
لم يصحّ مع باني تونس الحديثة الرئيس بورقيبة، ولم يصحّ مع الرئيس بن على. لأن حجم السلطة الهائل الذي يوفّره مثل هذا النظام الرئاسوي لأعلى هرم الحكم ينتهي بتغيير الحاكم من إنسان الى” نصف إله “démiurge فتصبح قراراته وأعماله فوق النقد وتنتفي عندها شروط الديمقراطية المبنية بالضرورة على النقد والمنافسة والمشاركة. كذلك انحدر بورقيبة الى الرئاسة مدى الحياة وكذلك انعزل بن علي وانقطع في مرحلته الثانية عن الواقع.
لا نشك اليوم في نزاهة قيس سعيد ولا في نظافة يده، لكن من حقنا ان نشك في من حوله غدا من بطانته التي سوف تستغلّ قربها من مصدر السلطة اللامتناهية التي يمثّلها الرئيس لتُفسد النظام. ثم أي ضامن ان يكون الرئيس الذي سوف يأتي بعد سعيّد متحلّيا بالصّفات التي تمنعه من الانحراف الى الدكتاتورية المقيتة؟
ان الطابع العمودي الواضح لطبيعة النظام الذي يبشّر به الدستور المقترح والغياب شبه الكلي للسلط المضادة لا يمكن ان يثير تفاؤلا كبيرا بشأن الممارسة الديمقراطية وتواصلها واستدامتها.
والانطباع العام اننا سنمرّ من الانفتاح المفرط مع دستور 2014 الى الإغلاق المتشدد مع الدستور الجديد.
ولكن الخوف ان نكون مررنا من ديمقراطية بلا ديمقراطيين الى ديمقراطيين بلا ديمقراطية.