
لم يدم الاهتمام بصدور نصّ الدستور الجديد المنشور بالرائد الرسمي يوم 30 جوان، طويلا حتى تحوّل التركيز على نصّ الدستور الذي كان قد اقترحته الهيئه الاستشارية من اجل جمهورية جديدة برئاسة العميد الصادق بلعيد، وصارت النتيجة ان أصبح هناك نصان: نص رسمي معلن، ونصّ موازٍ خفي، وكلاهما يعنى بالمتابعة والنظر والتحليل من عدد كبير من المواطنين والملاحظين.
مثل هذه الحادثة التي لم يُعرف لها مثيل في تاريخ البلاد، بل ولربّما في العالم، أصابت عملية كتابة الدستور وألحقت ضررا كبيرا بمصداقيتها ونالت من قيمة النصّ المقترح وتأثيره المستقبلي.
كل الأطراف تتحمل قسطها في مسؤولية ما حدث.
الرئيس سعّيد أوّلا، الذي منح رئيس الهيئة الصادق بلعيد حرية التخاطب مع وسائل الإعلام وافشاء بعض خصوصيات نص مشروع الدستور، ثم وبعد انتهاء الهيئة من صياغة النص لم يعره اية اهتمام وصرف عنه النظر بازدراء واضح.
صحيح ان الهيئة تبقى ذات دور استشاري، ولكن لماذا تركها تشتغل أياما طويلة لكتابة نصّ يُرمى به في النهاية في سلة المهملات، ليقع تقديم نصّ آخر مكانه لا شك في أنه كان جاهزا حتى قبل تشكيل الهيئة الاستشارية؟ ألم يكن من الأفضل ومنذ البداية عرض نص الدستور الرئاسي على الهيئة وتحديد دورها في ابداء الرأي عوض منحها دورا اكبر ثم إنكاره؟
ولكن المسؤولية الأكبر في ما حدث يتحملها أعضاء الهيئة وعلى رأسهم الأستاذ العميد الصادق بلعيد الذي جسّم بتصرفه كل روعة وبؤس(splendeur et misère) المثقف التونسي والعربي عموما.
فإما الروعة فهي في ما يحمل الرجل من معارف وما يختزل من خبرة وما يمتلك من علوم قانونية.
وأما البؤس فيتمثل في الهوّة السحيقة عند نفس الرجل بين ما يعرف وما يفعل، بين قناعته وتصرفه. بين قوته وضعفه.
قَبِل العميد بلعيد ان يرأس الهيئة الاستشارية وهو يدرك انها لا تمثّل النخبة الوطنية لا سياسيا ولا فكريا، وبذل كنزا من اللباقة في إبراز مزاياها المفقودة. وبنفس الإصرار دافع عن توجهات الدستور الموعود، من ذلك مثلا حذف التنصيص على إسلامية الدولة، وكان في ذلك ملكيا أكثر من الملك. قبل أن يستدرك ويتحدث عن ” مخاطر” في الدستور الجديد.
لماذا انساق العميد بكل تلك الحماسة، وكيف لم ير تطوّر الأشياء ولم يتوقع حلولها وهو المثقف والعالم؟ هل ابهره بريق قصر الجمهورية، هل أغرته أحلام الكرسي، هل حدثته نفسه الإمّارة بالسوء بالانتقام من الرفاق الذين شغلوا اعلى المناصب وتركوه يعدّ السنين بين مدارج كلية الحقوق؟
مهما يكن الجواب فإنه لن يشفع لهذا الرجل الذي فشل مرتين في أقل من شهر.
الاولى حين لم يفلح في إقناع من حوله ان الهيئة الاستشارية يمكن ان تكون هئية وطنية ب”من حضر”، والثانية حين أأعرض الرئيس عن نصّ الدستور الذي اقترحه باسم هذه الهيئة.
إنها مأساة المثقف العربي الذي يرى تحقيق ذاته في اقترابه من السلطة وقبوله بما يتكرّم به عليه الحاكم، وهو العكس تماما، لان مكان المثقف ليس تحت زخارف القصور وانما بين شعبه.
تُنسب للكاتب الفرنسي الكبير غوستاف فلوبار هذه الجملة: “التشريفات تُفقِد الشرف، الوظيفة تُذلّ و المسؤولية تسبب البلاهة” Les honneurs déshonorent ; le titre dégrade ; la fonction abrutit
