
لماذا تذكرتُ الكاتب المسرحي لويجي بيرندلّو وأنا أشاهد مسرحية “تائهون- Dark Side” للمخرج نزار السعيدي على دراماتورجيا لعبد الحليم المسعودي والتي قُدمت منذ أيام على ركح مهرجان الحمامات الدولي؟
ربّما لأن الكاتب الإيطالي أعاد مفهومه للمسرح وهو يستجوبه في مسرحيته الشهيرة “ستة ممثلين يبحثون عن كاتب مسرحي”، ليُثبتَ ان الفعل المسرحي ليس في الحقيقة الاّ بحثا متواصلا يتجدد في كل عمل، بل في كل عرض، بل في كل حركة وكلمة يأتي بها الممثل على الركح.

لا تهمّ نتيجة البحث وما ان كان سيؤدّي فعلا الى نتيجة، وإنما المهم هو البحث نفسه، في حدّ ذاته، أو بالأحرى رحلة البحث. بحث عن اتّجاه، بحث عن معنى، بحث عن حقيقة ما…
ولعل ذلك ما فعله الثنائي السعيدي-المسعودي.
في البدء كانت الفاجعة
“تائهون-Dark-Side” هي قصة جريمة تورطت فيها فتاة قتلت امّها.

من هذه المعلومة الاستهلالية التمهيدية ينطلق البحث حثيثا عن القاتلة المشتبهة، ويتّخذ صيغا وطُرقا متنوّعة ومختلفة.
رغم التعرّف “القاطع” عن الجانية المزعومة فإن البحث عنها يتّخذ نهجًا غير خطّي، مراوغا، ملتويا، لا ينفك يدور حول نفسه، وكأن هناك رغبة معلنة من الجميع للفرملة والتعطيل والتخريب الذاتي لمنع الوصول الى معرفة الحقيقة الصحيحة وكشف القاتلة المفترضة التي تتحول خلسة إلى قاتلة افتراضية، فإلى أسطورة، وتصبح بالنتيجة، حاضرة في كل واحد من الأشخاص المتحرّكين على الركح، وربما كذلك، في كل واحد من المتفرجين الذين غادروا المسرح يتملّكهم الشكّ والريبة ودون التعرّف صراحةً على القاتلة ولا على نهايتها.
وكأن المسرحية تنتهي لتبدأ من جديد، وكأن احساس الذعر المشترك الذي يخلّفه الاستحضار المتكرر للجريمة وإعادة تمثيلها بلا توقّف ومن زوايا مختلفة إنما هو عوْدٌ على بدء وبحث-دائم- عن حقيقة ندركها ولا نحددها لفاجعة أصليّة جعلت كل واحد منا، وكما في أفلام رومان بولانسكي، مجرما وبرئيا في ذات الوقت معا، جلادا وضحية، شاهدا ومشهودا.
ثم، وفي نهاية النهاية، يبقى السؤال المطروح:هل ان المسرح وليد الفاجعة؟ وهل المسرح منذ نشأته في مهده الإغريقي ليس غير طرح متواصل لهذا السؤال الرهيب؟
تربيع وتدوير
السعيدي والمسعودي نجحا منذ البداية في ضرب حصار على المتفرج وجعلاه يحبس أنفاسه لمتابعة الممثلين-الشخصيات أرضًا وجوًّا.
أرضا، أولا، من حيث لا يخرج المتفرج عن الحدود الهندسية المستطيلة التي حُددت للممثلين، ولا جوّا، ثانيا، حين تحاول شخصيات المسرحية كسر ادوارها لينطلق كل واحد منهم في تحليق شعري يزيد من حيرة المشاهد وغربته، خصوصا وأن هذه التحليقات الشعرية تأتي بعكس ما يفرضه منطق الواقع المسرحي، حيث ينطق لسان شخصية “الأستاذ” بلغة خشنة سوقية لكنها تبقى متّسقة ومتناسقة، وتنفجر شخصية “المزاودي”بلاغةً و رِقّة ً. وكأن الثنائي السعيدي-المسعودي اردا ان يغمزا بلا توقف الى صاحب التغريب المسرحي برتولد برشت وتصحيح الرؤية إليه من حيث هو شاعر المسرح الذي أُدلج ظلما وبهتانا.
وكما تتحرك فضائيا مثل الاوتوماتونات المتحكم فيها عن بعد، داخل مستطيلات مبيّنة ومعلّمة على الركح في شبه زنزانات مسطّحة، فإن شخصيات المسرحية تتحمل، لغويا، نفس السجن.
إنها تلوك خطابا مزدوجا لا يخرج عن دائرة جلد الذات ورمي التهمة على الطرف المقابل الذي هو في الحقيقة الهويّة البديلة l’alter ego ولكنها معكوسة للمتكلّم. كل شخصية في المسرحية لها ضديدتها التي تجابهها لتحيلها الى تناقضاتها فتبقى محبوسة في دائرة لا تخرج عنها ولا تتقدم. وكأن دور كل شخصية هو مسك المرآة لإظهار الشخصية المقابلة في حقيقتها المخفيّة.
“المزاودي” تجابهه ابنته القاتلة، “الأستاذ” تتصدى له تلميذته القاتله، “الجنرال الشرطي” الكهل يتحدّاه الشرطي الشاب حول طريقة كشف الجريمة، “الشرطي” الشاب يقف في وجهه الشاب الهامشي لمنعه من النفاذ الى حقيقة الجريمة…إنها عملية تدويرية لا تتوقف ولا تكفّ تكبر في كل “وجه لوجه”بين شخصيات المسرحية لتشكل في النهاية دائرة تزحف بلا هوادة مثل ثقب أسود يبتلع كل شيء في طريقه:الشخصيات والاحداث والأزمنة…والجريمة.
على حافة الإنهيار العصبي
لقد حوّل عبد الحليم المسعودي محاولته الدرماتورجية الأولى الى ضربة رئيسية أخرج من أجلها كل ما اكتنزه من معرفة في مجال االممارسة المسرحية حضورا واطلاعا وكتابة، وما أفاده طوال سنين التجوال والدرس والتدريس من خبرة بالتاريخ والفنون لينتج نصّا مفعما حركةً ودقّةً رسم من خلاله صورة مباشرة لمجتمع على حافة الانهيار العصبي متأزم تتجاذبه أمواج التناقضات المتلاطمة، تائهٌ لا يعرف كيف الوصول الى ضفة النجاة فيستسلم أعضائه للشك والخوف ويروحون يلقون الاتهامات على بعضهم البعض ويتصادمون فتسمع في صخب تصادمهم رجع الصدى ل”صياح” ادفارد مونش، و” تكو ّرات” شموس الهولندي فان غوخ، و”أنين” قمر شاكر السيّاب، و”رعويّة” بيتهوفن و “أغاني حياة” الشابي ودوي صمت عبث سمويل بيكت…، كلها روافد تجمعت تاثيراتها في نص عبد الحليم المسعودي الكوني المحلي-او العكس- وعززت إيمانه ان الشعر، في مفهومه الأصلي الاغريقي كخلق إبداعي، هو الذي سينقذ هذا المجتمع-وكل مجتمع- من وحل الرداءة والتدنّي والتبعيّة. الشعر كبحث دائم عن الجمال هو الذي سيعيد للإنسان إنسانيته وطهارته الأولى ويخلّصه من وجع الجريمة، الجريمة الأولى التي فقد بها ذلك الإنسان براءته واضاع بسببها طفولته.
في انسجام مثالي مع شريكه المسعودي يتوخّى نزار السعيدي تمشيا انطباعيا في بداية العرض عبر لمسات متتابعة لتحديد ملامح الشخصيات في اختلافها وتقاربها قبل ان يزيل حدود مناطق تحرّك شخصيات المسرحية بخفض التباين في الإضاءة تدريجيا بينها، وكأنّه يريد أن يلغي حاجز الاختلاف والصمت بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والوهم…بين الحياة والمسرح، كما أنه في نفس الوقت يرفع التضييق عن تنقّل الممثلين على الركح فيتجاوزون حدود الرسوم الهندسية التي أُعدّت لهم في الأصل ويروحون ينشرون ازمتهم خارج الفضاء المتّفق عليه، وهو بهذا يُدخل على العرض جوّا من الغموض والقلق الوجودي بعد ان يحوّل الضوء الساطع الى رمادي باهت بائس.
لكن خطاب الضحضاح المزاودي الأمّي المشحون شعرا وصفاءً طبيعيا ينقذ الموقف ويمنع السقوط في الجانب الأظلم( Dark-Side)- أو يؤخّر أجله الى حين ويزرع الأمل، ليُطرَح السؤال:هل يجب محوُ كل شيء لإعادة كل شيء؟ او بعبارة أخرى هل ياتي انقاذنا عن طريق اميين أصفياء؟
“تائهون” يبقى في النهاية عملا جادا تميّزه كثافة فكرية وسيطرة فعلية على تقنيات ومكوّنات العملية المسرحية، حتى وإن بدا واضحا أن تأثيرات مسرح الجعايبي على نزار السعيدي ما تزال لم تُهضم بالكامل.
لكن ما من شك ان هذا المخرج الشاب يتمتع بامكانيات الفنان القادر على تحريك خيوط اللعبة المسرحية اعتمادا على ذكاء وجرأة وقوة شخصية واضحة أكدها في إدارته للممثلين الذين حصل على أفضل ما عند كل واحد منهم وظّفه لتحقيق الوحدة التعبيريّة والتكامل المشهدي في عمل يبدو مُتشظٍّيا ومبعثرا كَكِسرِ المرآة العاكسة لواقع المجتمع التونسي الراهن.
ممثلون قدموا شخوصا صعبة، بسيطة ومركبة في نفس الوقت، جويّة وماديّة، غريبة ومألوفة.
أداء مقنع يستحق التحية، مع تنويه خاص لرمزي عزيز(شخصية الضحضاح)، محمد شعبان(حمّة زهومة)، جمال ساسي (الحبيب الجنرال)، وتماضرالزرلي( زبيدة بنج) وانتصار العيساوي (نجلا دودش).
