
أعترف أني شعرت بقليل من خيبة الأمل بعد حضوري حفل العراقي نصير شمّة.
كنت أُمني النفس بالاستماع الى أعمال في مستوى الموهبة المبكرة لهذا الفنان الذي ابهرنا سنواتٍ طويلةً بقدرته الخارقة كعازف تعلم العود عن أشهر أستاذة العراق أمثال منير بشير وأضاف الى عزفه دقة واحساسا وخيالا قلما اجتمعت عند موسيقي عربي، وكذلك تالّق وهو يتردد على الدوائر الثقافية والفكرية في أهم العواصم العربية والعالمية ويقبل على الغوص في التراث الشعري التصوفي، خصوصا، قراءة ودرسا واستلهاما، ما مكّنه من انجاز وتقديم أعمال مرموقة كانت تبشّر بنشأة مدرسة وتريّة تُعيد لآلة العود مكانتها المركزية في الموسيقى العربية بعد خيبات السنين الأخيرة، وتراجع الدور العراقي بسسب ما عاشه العراق من حروب مدمّرة. ومما كان يزيد من تلهّفي لحضور عرض هذا الفنان الكبير، تأسيسه في اكثر من بلد عربي، في مصر وبلدان خليجية اخرى لما سماه”بيت العود” كحجة اضافية على ما يوليه- او هكذا كنت أظنّ- من قيمة لهذه الآلة الأصيلة.
للأسف لم يكن عود نصير شمة حاضرا في حفله القرطاجني ليلة أمس، الاّ صورةً، يقطعها هذا الفنان أحيانا بجملة او جملتين قصيرتين يؤدّيها على عجل ثم يعود إلى احتضان آلته والاكتفاء بالتفرّج في أعضاء فرقته يقدمون كل منهم عزفه المنفرد على شكل يجمع بين الارتجال الحرّ والأداء الملتزم بالنّغم الأساسي الذي صاغه صاحب الفرقة وقائدها نصير شمة.
“بناة السلام”، هكذا سمّى نصير شمّة فرقته التي ضمّت اثني عشر عازفا من سبعة بلدان مختلفة (إيران، اسبانيا، باكستان، تونس، أمريكا، مصر، العراق)جمع بينهم حبُّ الموسيقى التي تنتفي معها وبها كل حدود اللغة والجغرافيا، ولا يبقى غير الإنسان في انسانيته الكونية، الإنسان الخائف المحبّ المتألم الحالم… والحقيقة فإن كل العارفين اظهروا من البراعة والإتقان ما مكّنهم من السفر بالجمهور الحاضر بين أنغام شعوب كثيرة في هذا العالم انطلاقا من جملة لحنيّة صاغها نصير شمة وترك الحرية للعازفين يطرزون حولها ارتجالات عبر لغة موسيقى الجاز ذات الروح التلقائية والنفس الإفريقي الأصلي. وبفضل حرفيته الكبيرة فانّ نصير شمة يتمكن في كل مرّة من ادراج لحن عربي متداول(فيروز، الهادي الجويني، ام كلثوم) في “القطعة” التي تؤديها الفرقة فيتجز بذلك توليفةً ذكية بين المقام الشرقي والعزف الغربي المعدّل.
في المحصلة، ورغم لحظات نغميّة رائعة، خصوصا في قطعته الختامية”الى قرطاج”، فإن عرض نصير شمة يبقى دون ما كنا ننتظر من فنان مبدع صار اسمه اسطورة. الواضح انه أصبح مهتما بانتشاره دوليا فاختار موسيقى الجاز لإيصال ألحانه وأحلامه. هو حرّ في خيار قد يكون صائبا لفترة، لكن ما ذنبنا نحن الذين جئنا لقرطاج نمنّي النفس بلقاء ذلك الفنان الذي طالما رحلنا معه في عوالم موسيقانا العربية التي صارت تموت كل يوم قليلا بداء الرداءة وحب الربح السريع وفقدان الذوق؟
نصير، عدْ سريعا الى أُصولك!
