بقلم: سالم اللبان
لا شك ان نشري على جداري الفايسبوكي تلك التدوينة التي تتحدث عن هذه الصورة ومكان التقاطها ومناسبة حضور الحاضرين فيها، برره في البداية وجود ابني المايسترو احمد عياض اللبان في المشهد عازفا على آلة الكمان مع صديقين له هما الفنانة سيرين بن موسى وضابط الايقاع الياس غرابي، وهما ايضا بمثابة ابنائي.
ولكن بعيدا عن العقلية العشائرية، لنتأمل هذه التدوينة التي قدمت بها الفنانة سيرين بن موسى الصورة والتي اقدمها لكم بالقص واللصق انطلاقا من جدارها على الفايسبوك، تقول :
« Petit moment de partage musical à 3 dans un petit village français qui compte 243 habitants et devant 30 personnes qui découvraient pour la première fois le malouf et la musique arabo-andalouse.
Je leur ai lu quelques poésies traduites et nous avons évoqué l’Andalousie d’antan, pôle culturel au sein de l’Europe médiévale qui a été enrichi par les grands courants de civilisations.
Une belle ère marquée par la cohabitation des trois religions monothéistes juive, chrétienne et musulmane. Mais surtout une cohabitation par laquelle est née une longue période d’épanouissement culturel où arabes, berbères, juifs et espagnols contribuèrent au développement des sciences, de l’architecture, de la poésie, de la pensée et de la musique. »
بقطع النظر عن الاسماء سأقرأ الصورة والتدوينة أساسا عبر ارقامها واعلق على ما يبدو لي قابلا للتعليق :
أولا : 3
هذا عدد الموسيقيين الذين احيوا السهرة، وهو كما نلاحظ جوق ثلاثي يتركب من آلة ايقاع وعود واحد تعزفه مغنية وكمان واحد. واذا كان ستوى العزف والغناء كما أعلمه من هذا الثلاثي، فإن في هذه القلة أكبر خدمة تقدم للموسيقى الشرقية عموما وللمالوف التونسي بالخصوص، لان هذا النمط من الموسيقى احادي النغم (monophonique) ولا يكون تعدد الآلات اذا لم تختلف طبيعتها كما هو شأن هذه الآلات الثلاث، الا زيادة في الضوضاء دون اي موجب، هذا اذا لم يكن سببا في بعض النشاز الذي هو من طبيعة اختلاف تأثير الوقت على تعديل الاوتار بل حتى من تأثير اصابع العازفين التي يندر أن تتلاءم من آلة الى اخرى مهما كانت براعة العازفين
ثانيا : 243
هو عدد متساكني القرية الفرنسية التي احتضنت هذا العرض (وقد كتبتُ اقل من خمسمائة في التدوينة الاولى)، وهذا يؤكد أن لكل مواطن في هذا البلد، فرنسا، الحق في نشاط ثقافي، مهما كان موطنه قليل عدد السكان. وهنا لا اتمالك من المقارنة مع قرانا التي يبلغ عدد سكانها الآلاف أحيانا، ولا تعرف لها العروض الثقافية طريقا، هذا بالنظر فقط الى الانتاج الثقافي التونسي، فما بالك وحال هذه الصورة أنها تمثل عرضا لموسيقى تونسية (اي اجنبية على بلادهم) لم تعد من النوع السائد تجاريا، على غرار المالوف.
تصوروا فقط، ولا تضحكوا مني رجاء، تصوروا عرضا في قرية ريفية تونسية لا تبعد كثيرا عن العاصمة، بها الف ساكن مثلا (4 مرات عدد سكان القرية الفرنسية) وينتظم بها حفل يحييه ثلاثة من مستوى دكتوراه في العلوم الموسيقية (كحال الذين تقدمهم الصورة)، قادمون من البرتغال مثلا ليعرفوا بموسيقى “الفادو” (نمط يقارب المالوف عندنا وله به بعض صلة)
ثالثا : 30
وهو عدد الحاضرين الذي أشارت اليه سيرين في تدوينتها . لو تأملناه في المطلق لقلنا انه عدد قليل جدا، ولكن،،،
منذ سنة 2012, تازيخ بداية انتظام صالون معابر للقراءة والكتاب في المكتبة المعلوماتية بأريانة ثم في المركب الثقافي بالمنستير، وهي عروض تجمع بين الموسيقى والشعر والتقد والتمثيل، كان اجتماع ثلاثين نفرا في العرض الواحد معدلا نادرا ما تجاوزناه والحال ان الدعاية اكثر من كافية وان عدد مواطني اريانة او المنستير من اكثف اعداد السكان في المدن التونسية
كما أننا لو قارنا عدد الحاضرين في عرض المالوف بالقرية الفرنسية (30من 243) لوجدنا أنهم يمثلون حوالي 13% من عدد السكان الجملي.
مرة اخرى تصوروا معي، ولا تضحكوا علي كثير من فضلكم، لو حضر مثلا 13% من سكان المنستير أو أريانة لعروض صالون معابر، او حتى لعرض مسرحية لاكبر مخرج معروف في تونس.
13% من 150000 ساكن تقزيبا = 19500 متفرجا
وهو رقم لا يمكن ان نحلم به كعدد جملي للمتفرجين على احسن مسرحية تونسية منذ عرضها الأول وحتى يطويها النسيان.
قد يقدم لي بعضهم عروض الامين النهدي او لطفي العبدلي نموذجا يمكن ان يحظى بهذا القدر من المتفرجين في ثلاث او اربع عروض. ولكن هذه قضية أخرى موضوع قهرة ثقافية أخرى قد يتناولها مقال آخر.
