أحيت العائلة الدستورية مساء يوم السبت 3 سبتمبر أربعينية الفقيد فوزي العوام أحد الوجوه النضالية الوطنية البارزة.
وقد انتظم بالمناسبة حفل خطابي أشرف عليه السيد الشادلي النفاتي الامين العام الأسبق للتجمع الدستوري الديمقراطي ألقى خلاله عدد من رفاق الراحل كلمات ذكّروا فيها مسيرة الفقيد وعددوا مناقبه.
ومن الكلمات التي ألقيت هذه التي قدّمها السيد مكي العلوي المناضل الدستوري وصديق المرحوم.
“فوزي العوام المناضل الدستوري الصلب”

“تشاء الأقدار أن يصادف إحياء أربعينية المغفور له بإذن الله تعالى، الخالد في ذاكرتنا جميعا، فقيد هذا الوطن. أخينا العزيز فوزي العوام.
قلت تشاء الأقدار أن يكون هذا اليوم يصادف ذكرى يوم تاريخي مفصلي كتب بحروف بارزة على صفحات النضال الوطني من أجل الانعتاق والحرية.
ففي هذا اليوم 3 سبتمبر من سنة 1934 عمدت سلطات الاحتلال إلى اعتقال الزعيم الحبيب بورقيبة وثلة من رفاقه وأبعدتهم إلى قبلي ثم إلى برج البوف لأنها استشعرت الخطر الداهم من هذه القيادة الجديدة.
وتأتي هذه العملية التعسفية بعد خمسة أشهر فقط من حدوث “الشقاق المبارك” (المناضل وناس بن عامر) الذي أفضى إلى انعقاد المؤتمر الأول للحزب الحر الدستوري الجديد بقصر هلال الذي صحح مسيرة الحزب الدستوري ونفخ في جسمه روحا نضالية فعلية اعتمادا على منهجية مستحدثة قوامها الاتصال المباشر بالشعب لإيقاظ الضمائر ورفع الوعي.
تم ميلاد الحزب الحر الدستوري الجديد في مدينة قصر هلال إحدى قلاع النضال الوطني ومسقط رأس فقيدنا العزيز، التربة التي نشأ فيها والمدرسة التي تعلم فيها معاني النضال والالتزام.
إن التاريخ لا يعترف بالمصادفات وإن وجدت فهي مصادفات موضوعية تحتمها الأحداث والتحولات التي هي نتاج إرادة الإنسان وعمله من أجل تغيير ما بنفسه وما حوله.
ولقد نشأ فوزي العوام وشب على حب الوطن وفخر الانتماء ونخوة الإسهام في التغيير والبناء فكانت حياته، رحمه الله وبرد ثراه سلسلة من محطات نضالية بذل فيها من نفسه وأعطى فيها من ذاته، شعاره الدائم في ذلك الصدق في القول والإخلاص في العمل والجرأة في إبراز مواقفه.
تعرفت وحظيت بمصاحبة الفقيد في بعض من محطات النضال المشترك وهى كثىرة فكانت فرصة سانحة وقفت خلالها عند مزاياه النضالية الكبيرة وصفاته الأخلاقية العالية.
فلقد كان يجمع بين الذكاء الحاد والكفاءة الكبيرة. بين الشجاعة الفكرية والاستعداد لقبول الرأي الآخر. بين الجرأة والثبات على المبدإ، بين التجذر في واقع الوطن والتطلع إلى معرفة تجارب الآخرين.
كانت المحطة الأولى مع الفقيد الندوة القومية للطلبة الدستوريين (المؤتمر) الذي تشرفت برئاسته في 27 جويلية 1972 بمدينة بنزرت والتي ألقى في اختتامها المرحوم الهادي نويرة خطابا منهجيا حدد فيه مفهوم وخصوصيات الاشتراكية الدستورية. وكان منطلق هذا الخطاب حوارات ونقاشات مثل مجال التركيز فيها على تدخلات فوزي العوام، ناهيك أن أسئلته وتساؤلاته واستفساراته وإبراز مواقفه كانت بمثابة نقطة اجتذاب مغناطسي لكل المسؤولين بمن فيهم الوزير الأول الهادي نويرة وهو من هو بتاريخه وكفاءته.
عندها عرفت فوزي العوام المنظر الفكري صاحب الرأي المجدد والحجة القوية الرافض للجمود والريعية كانت إسهاماته بما تتضمنته من عمق في التحليل ومعرفة مدققة ومرقمة مصدرها الواقع والاطلاع على تجارب الآخرين كانت تثري النقاش وتوضح الرؤى وتوسع آفاق الجلسات والحوارات بشكل عميق وقاطع.
لقد طبع المرحوم أشغال هذه الندوة (المؤتمر) بمداخلاته القيمة بل وكاد يفرض عليها عبر لائحة الشؤون العامة التي كان رحمه الله مقررها بعضا من قناعاته وكان أهمها آنذاك عدم تحميل مسؤولية فشل التجربة التعاضدية لأحمد بن صالح وحده، ومن ثمة المطالبة والدعوى لإطلاق سراحه.
كان فوز العوام يؤمن بدور الدولة في تحديد ومرافقة المشاريع الوطنية الكبرى الحاملة لإرادة التجاوز والطموح ولم يكن يتردد في الانتقاد بشجاعة ومسؤولية ما كان يسميه حلولا ترقيعية وذر رماد على العيون (التنمية الريفية).
أما المحطة الثانية فتتعلق باللقاء به وهو قنصل عام في مدينة ليون فرنسا سنة 1999 فتعرفت على دوره واسهاماته الفاعلة في مجال الهجرة وتأطير التونسيين بالخارج حين توليه مهمة الإشراف على هذه القنصلية العامة بليون، وهي الممثلية القنصلية الأهم من حيث حجم التونسيين المسجلين في دائرتها وعدد الشعب الدستورية الناشطة بها وكذلك من حيث عدد هياكلها الاجتماعية والثقافية ووزن هذه الجهة اقتصاديا.
هنا أيضا كان للفقيد الدور الفاعل والفعال باعتباره يجمع بين النضال السياسي والكفاءة الإدارية في فتح مسارات جديدة في تصور العلاقة بين التونسي المقيم في الخارج ووطنه الأصل والنهوض بها وتطويرها على ضوء المستجدات المتسارعة.
ويحسب للراحل العزيز إسهامه في بناء علاقة متطورة قطعت مع الصورة النمطية للتونسي المهاجر الجالب للعملة الصعبة لتطرح مكانها تدريجيا صورة المواطن المشارك في تنمية بلاده بوعي وإدراك بفضل ما كان يقدم له من إحاطة ثقافية واجتماعية ولقد شكلت مقترحات الراحل في مختلف الندوات السنوية للتونسيين بالخارج، والتي كانت دوما محل اهتمام وتقدير من الجميع منشأ عدة قوانين وقرارات لفائدة مواطنين بالخارج منها توفير فرص أطر الإحاطة الاجتماعية وتعليم اللغة العربية للأجيال الجديدة ودور المرأة بإنشاء منتدى الأسرة وكلها تنبع من قناعات فوزي العوام الثابتة والتي لم ينفك طوال مسيرته النضالية يسعى إلى تحقيقها وكان قد عبر عليها بما ميزه أبدا من إيمان والتزام دائمين في ندوة الطلبة الدستوريين التي سبق ذكرها.
أما المحطة الثالثة فهي محطة العمل الحزبي المركزي والتي تحمل فيها الفقيد المسؤولية الأهم والأثقل والأكثر تعقيدا ضمن الأمانة القارة 1996 ثم الأمين العام المساعد المشرف على الهياكل 2001. هل تغير المسؤولية المسؤول أم يغير المسؤول المسؤولية، أم يغير هذا وذاك وضع معقد أنتجتها ماكينة متقادمة لم يقع تعهدها وصيانتها وصارت تعاني من التراكمات والتهميش؟
السؤال يبقى مطروحا تحدده النتائج والمآلات والعواقب.
وما هو متأكد أن الفقيد بما عرف عنه من كفاءة ووطنية وروح مسؤولية لم يبخل بجهد في سبيل دفع عمل الهياكل الحزبية وتكثيف وتنويع أنشطتها معتمدا على ثلاثة وسائل: ضخ دماء شابة في المسؤوليات التسييرية وتعزيز النشاط وتنويعه، توجيه عمل الهياكل إلى العمل الميداني والاهتمام بالمشاغل المباشرة مثل التنمية الجهوية والتربية والتضامن.
لاشك أن حجم ووزن الأمانة العامة كمساعد مشرف على الهياكل أخذت منه كل وقته وطاقته وصحته وشبابه لكن ورغم الضغط الكبير الذي كان يجابهه فإن الفقيد لم ينفك يقدم مساهماته القيمة ضمن اللقاءات الهامة لاسيما منها ذات البعد الاستراتيجي الدائرة بشأن تعزيز الترابط فيما بين التوجه الإنمائي والخيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
كنا نلتقي في بعض اللجان الحزبية الخاصة أو المتفرعة عن اللجنة المركزية للحزب وكان دوما قوة اقتراح وإثراء وأذكر أننا التقينا في لجنة خاصة لتقييم دور الحزب وخاصة إعادة الاعتبار لعمل الهياكل الجهوية والقاعدية وارجاع لجنة التنسيق الجهوية إلى دورها التاريخي في عمل الحزب (اللجنة يرأسها زهير المضفر) وقدم التقرير على أساس أن يقع تبني المقترحات في مؤتمر حزب 2008 الأمر الذي لم يتم لكن لاحقا لما سألت الأخ فوزي العوام عن هذا التقرير كانت إجابته بكل مرارة لا حياة لمن تنادي دار لقمان على حالها.
لم يكن رحمه الله ليتخلى عن شجاعته الفكرية ولا عن جرأته في التعبير عن آرائه وكان لا يخفي خشيته من تردي أوضاع الحزب وتراجع إشعاعه ودوره. إلى أن آل الأمر إلى ما آل إليه سنة 2011.
لقد كان رحمه الله حسن الخلق، حافظا للود، طيب المعشر، لين العريكة.
ومهما عددنا مناقبه ومهما استذكرنا خدماته واسهاماته فلن نأتي على جميعها ولن نوفيه حقه. وما هذه الكلمات إلا ومضات سريعة حول حياة رجل كرس كل جهده ووقته لخدمة مبادئ وأهداف حزبه ووطنه ومواطنيه بكفاءة واقتدار في أي حقل قادته مسؤولياته إليه كان بالفعل المناضل الدستوري الصلب والمشاكس.
فقدنا فوزي العوام ولا اعتراض على مشيئة الله فكل نفس ذائقة الموت، ونفتقده اليوم ونفتقد حضوره وزخم آراءه التي كان يثري بها لقاءاتنا في كل يوم أحد في منتدى المرحوم علي الشاوش وحتى قبل ذلك.
ولا يسعنا إلا الترحم على روحه الطاهرة والتقدم بأحر التعازي وأصدقها لزوجته الفاضلة وعائلته وذويه.
وإننا لنتجه إلى الله الرحمن الرحيم، الغفور الكريم، إياه داعين أن يغفر ذنوبه ويضاعف حسناته وينير قبره ويفتح لروحه جناته ويرزقنا جميعا الصبر على فراقه سواء كنا من الذرية الصالحة التي أنجبها أو الأقارب والأصدقاء والأحبة الذين يذكرونه بخير الخصال وطيب الأفعال.
قال الله تعالى: “يا أيتعا النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي” صدق الله العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم: “كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”. صدق الله العظيم“.
