
في تونس الفرنكوفونيّة يبدو كلّ ما يحدث في بريطانيا كأنه يقع على كوكب آخر بعيد، لا يهمّنا الا قليلا وبقدر ما يلامس فضولنا.
لكن وفاة الملكة إليزابيت الثانية أمس عن سنّ 96 سنة، يشكّل حدثا تاريخيا فريدا لا يمكن لأحد ايّا كان واين كان تجاهله.
ذلك ان هذه المرأة كانت استثنائية بكل المقاييس.
جلست أطولَ مدّة-70 سنة- على كرسي عرش المملكة التي “لا تغيب عنها الشمس”، عرفت خلالها 15وزيرا اوّل بريطانيا، وعايشت 14 رئيسا أمريكيا، و10 رؤساء فرنسيين، و6 رؤساء تونسيين لم تلتق من هؤلاء إلا بالرّاحل الحبيب بورقيبة الذي لم تكن تخفي تقديرها لما قام به من أجل تحرير المرأة وأهدته سيارة رولس رويس.
كانت استثنائية بثباتها الذي لا يتزعزع أمام أكبر المحن التي اعترضتها من الخارج والداخل، في وطنها وفي أسرتها. في الحرب حين ارتدت بدلة الميكانيكي في الجيش الملكي وأصرّت على البقاء في العاصمة لندن تحت قنابل “اللوفتفافن” النّازية، وزمن السلم حين واجهت بصبرٍ وحكمة تفكك الإمبراطورية.
كانت استثنائية حين واجهت التقلّبات والازمات العصيبة التي ضربت عائلتها وهددت تماسكَ واستمرارَ عرشها:طلاق ابنها شارل الذي ترك جرحا غائرا في تقاليد المملكة، تورّط نجلها المفضل أندرو في قضايا اغتصاب فلم تتساهل معه ولم تسامح ولم تتردد في خلعه، موت الأميرة ديانا في حادث مرور صحبة عشيقها وقبولها الاستجابة عن مضض لنداء شعبها فألقت خطابا وجهت فيه التحية لروح الأميرة الراحلة، زواج حفيدها الأمير هاري من ممثلة أمريكية وانسحابه المعلن من العائلة المالكة فلم تتأخر في قطع تمويل القصر له…كل هذه الزوابع واجهتها إليزابيت الثانية لا كأمٍّ ولا كجدّةٍ أي بتأثّر ظاهر او عاطفية مبالغة، وإنما كمَلكةٍ، أي بصبر وجلَدٍ ووعي حادّ بأنها تحمل تاج بريطانيا وما يضمّة من جمهوريات وممالك في كل قارّات العالم، وبأنها ملزمة بخدمة ومراعاة مصالح مملكةٍ ودولةٍ وشعبٍ قبل مصالحها ومصالح عائلتها.
صحيح ان الملكة الراحلة كانت “تملك ولا تحكم”، غير أن انضباطها، وقدرتها على ضبط نفسها، وصرامتها، ودقّتها اعطتها قوّة معنويّةً وحضورا جعلاها تُؤثّر في الأحداث وتلعب دورا خفيّا ولكن وازنا في أكثر من أزمة وفي أكثر من جهةٍ، في إيرلندا وفي جنوب إفريقيا زمن الكفاح ضدّ الميز العنصري. لم تكن تشتغل بالسياسة لكن نظرة واحدةً من عينيها، او حركة من يديها، او ابتسامة تكفي للأحداث التاثير في الرأي العام وتحقيق التغيير الذي تريده.
لقد استطاعت الملكة الراحلة بفضل استقامتها وثباتها على مبادىء وتقاليد وقيّم شعبها وبلادها ان تتحوّل الى أيقونة بريطانيا والرّمز الاعظم لثقافتها ودبلوماسيتها، وخصوصا استمراريتها ووحدتها في زمن التقلّبات والتغيّرات المتسارعة. كما نجحت من وراء التزامها بعادات المملكة التي لا دستور لها، وتعلّقها أبدا بملابس تتحدى الأزمنة والأنماط والموضات، وبنفس الألوان الفاتحة الباستال، وبخُطبها النّادرة والمقتضبة والصريحة والدافعة للتفاؤل والأمل، وبروح الدعابة ورباطة الجأش البريطانيتين، نجحت ان تصبح ذلك المرجع المستقرّ والثابت الذي يطمئن رعاياها ويوفّر لهم الثّقة في المستقبل ويعزز علاقتهم بدولتهم ووطنهم.
سبعون سنة من الملك، سبعون سنة محمّلة بأعظم دروس السياسة.
