
في خضمّ تصاعد الازمات التي تواجه بلادنا وما تطرحه من تحديات ومصاعب في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن الارتباك يظهر سيّدَ الموقف وبوصلةُ تحديدِ الأولويات وترتيبها تبدو وكأنها قد فُقدت.
الرئيس بورقيبة كانت له هذه العبارة التي يضبط فيها دور المسؤول في زمن العاصفة، مختزلا ذلك الدور في القدرة على التفريق بين “المهمّ والأهمّ”.
وحيث أن صعوبة الوضع وتشعّبه تفرض علينا تركَ المهم جانبا، فما هو الأهم اليوم إذن؟
أنا أخبركم دون تردد ولا تفكير عن الاهمّ: إنها الصحّة!
عندما نقول الصحة فاننا نعني تحديدا الوقاية من عودة جائحة كورونا التي أعلنت السلطات الصحية في فرنسا إمكانية حلول موجتها الثامنة بعد شهر أو شهرين من الآن. وحين تحلّ موجة كورونا جديدة في فرنسا فانها تكون قريبة من بلادنا للأسباب العديدة التي نعرفها ومنها خصوصا القرب الجغرافي وكثافة التبادل البشري بين البلدين.
ولكن، وبينما تتجنّد كل القوى في فرنسا-وباقي البلدان الأوروبية- لمواجهة الموجة الوبائية المعلنة وتضع نفسها في مواقع المعركة المنتظرة، نواصل نحن النوم في العسل مكتفين بنداء محتشم لحثّ كبار السنّ على إعادة التلقيح.
وبيما تواصل وسائل الإعلام عندنا، عموميّها وخاصّها على حدّ السواء، تهريجها اليومي وشغل الناس بكل انواع التفاهات، يمرّ علينا آخر تقرير أعدّه برنامج الأمم المتحدة الانمائي(pnud) مرّ الكرام ولا ينال، رغم خطورته، أي اهتمام يُذكر أو يفوز بطرح على ساحة الدراسة الوطنية يمكّن من ادراك الرهانات والاستفادة من الدروس السابقة.
تتلخّلص قيمة التقرير في أنه يعيد النّظر في تداعيات حائحة كورونا منذ ظهورها في العالم ليؤكّد ان خطرها الأول لم يكن صحيّا بقدر ما كان انمائيّا حضاريا. ويبيّن التقرير أن نسبة النمو الإنساني قد تراجعت بما يناسب 5 سنوات الى الوراء. فنتج عن ذلك ان مدّة حياة الانسان أصبحت أقصرَ، وأنه أصبح اقلّ تعلّما، وأن دخله قد انخفض.
والخلاصة أن كورونا قد ضربت مقومات الحضارة الإنسانية الاساسية في مقتلٍ، متسببةً في تراجعها الخطير في كل بلدان العالم الى مستوى سنة 2016.
بماذا توصي الأمم المتحدة لاستعادة المكاسب المفقودة في الصحة والتعليم والإنماء؟ توصي بحثّ الحكومات على العمل حتى يُحافظَ الإنسانُ على أملهِ في مستقبل.
جميل. لكننا حين نرى كيف أصبح واقعنا الوطني وما آل إليه من انقسامات وصدامات وغياب لكل حوار وتفاهم يصبح من العسير المحافظة ولو على بصيص من الأمل المطلوب.
