
شخصيا لم أتفاجأ بالقانون الإنتخابي الذي صدر أمس في الرائد الرسمي وأصبح بحكم ذلك نافذا. فلقد جاء هذا القانون متوافقا ومتّسقا مع نهج الرئيس قيس سعيّد ومنطقه منذ أن بدأ في تنفيذ مشروعه السياسي ليلة 25 جويلية 2021.
كنت انتظر ان يكون كذا قانونا فردانيّا في تصوّره ومفهومه للأشياء السياسية ومُكرِّسا ومُعمّقا للعمليّة الإنقلابيّة وتغيير النّظام السياسي الذي عرفته تونس منذ ما يزيد عن قرن من الزّمن، وتأكّد بعد الاستقلال باعتماد النّظام الحزبي، وإن بتعددية ضيّقة تكاد تكون معدومة، كطريقٍ لتحقيق مشاركة التونسيين في العملية السياسية وضمان تمثيليّتهم في سلطتي القرار والتنفيذ.
وهو كذلك النظام الذي عرف تأكيدا وتضخيما بعد الثورة حين اختار تأسيسيّو الجمهورية الثانية النظام البرلماني المعدّل الذي أعطى الأولوية للتمثيل الحزبي، والذي ضربَ به قانون قيس سعيّد الانتخابي عرْضَ الحائط بقراره حلّ البرلمان في 25 جويلية 2021، وبإقراره اليوم الاقتراع على الاشخاص عوضا على القوائم وجعلِ النائب رهينةً بين أيدي منتخبيه يسحبون منه الثّقة إن أرادوا، فيكون البرلمان في النهاية عبارة عن جمع أشتاتٍ محليّين، منقطعا عن التمثيلية الحزبية وضعيفا لا وزن له أمام السلطة التنفيذية.
إنه الانقلاب الحقيقي.
كيف ولماذا؟
لأن هذا القانون الانتخابي يعيدنا الى ما قبل 2011 وحُكم الشّخص الواحد، ولكن هذه المرّة دون الحزب الجماهيري الذي كان يمثّله التجمع الدستوري الديمقراطي بما كان يميّزه من حركيّة داخلية وحوارات متواصلة وتجديد لبرامجه واطاراته، رغم ان كل ذلك لم يمنعه من السقوط.
لأن هذا القانون الذي يقدِّم الشّخص(التصويت على الافراد) على الهيكل(التصويت على القوائم) سيعيدُ الى الحياة كلّ التناقضات القديمة التي لم تكن لتتخلص منها البلاد إلّا بشقّ الأنفس وما تزال، والتي تغذّيها الانقسامات الكامنة في عمق مجتمعنا:فقراء/أغنياء، مدنيّون/ريفيّون ، فلاحون/ تجار…
لأن شروط التزكية المطلوبة من المرشح للنيابة والتي ستحصر المستفيدين بها في شرائح اجتماعية ميسورة أو ذات انتماء قبلي، مما سيغذّي نعرة العروشيّة التي هي أسوأ الشرور على روح الوطنية والانتماء، ستسهّل تدفّق المال الفاسد وتداوله.
ولعلّه من الغريب ان يرفع الرئيس سعيّد شعار محاربة المال الفاسد في حين يُضفي عليه الشرعيّة في القانون الانتخابي الذي يُعتبر المرجع القانوني الأهم بعد الدستور ما دام الوصول الى النيابة سيكون له تكلفة وثمن لن يكون في متناول اي كان ودون فرض مساومات.
لأن انتخاب نوّاب دون وعي بانتماء واسع يحدّ من اشعاعهم ويجعلهم نواب جهاتهم أو عروشهم وليس نواب الشعب التونسي، وهو ما سيضرب مبدأ الوحدة الوطنيّة في العمق.
لأن هذا القانون الانتخابي، بما يطرحه من شروط، سيسبب نكسةً في مجالٍ برزت فيه تونس وحققت مكاسبَ معتبرة، ألا وهو مجال المساواة بين المرأة والرجل والذي مثّل التناصف في الانتخابات التشريعية أحد أبرز مرتكزاته.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هو ان لا ديمقراطية دون أحزاب سياسية.
وحتى نعي اهميّة الأحزاب السياسية في تحقيق الديمقراطية التي تبقى “نظاما غير كامل لكنه الأقل سوء”، على حدّ تعبير وينستن تشرشل، يكفي التذكير ان الأحزاب وُلدت منذ بداية القرن التاسع عشر من إرادة التخلّص من هيمنة حكم الرجل الوحيد ثم وبعد ذلك من أسطورة رجل العناية الإلهية l’homme providentiel.
لا مناص من وجود أحزاب سياسية تكرّس إرادة الشعب وتعكس خياراته وتعبّر عن تطلعاته. كما أنه لا بديل عن الأحزاب لتعزيز الحريّة الفكريّة وبناء وعي سياسي وطني يكون الضامن والداعم لمشاركة أكبر عدد ممكن في الشأن الوطني.
امّا فشل الاحزاب التي حكمت في العشرية الماضية فلا يمكن ان يكون سببا في إنهاء دور الأحزاب أو تهميشها.
والخوف، كلّ الخوف، ان نكون بهذا القانون الانتخابي قد رجعنا نهائيا الى مستوى درجة الصفر سياسة le degré zéro de la politique.
