
بينما تبدو بلادنا غارقة منذ ما يزيد عن العشر سنوات في “تخميرة”سياسية ازدادت حدّتها في السنة الأخيرة ولم يعد أحد يسمع أحدا، ولم يعد أحد يتحاور مع أحدٍ، وغاب الاعتدال في الخطاب والحصافة التي كانت تميّز التونسيين، واختفت الحكمة والتعقّل، وتسلل الى مقدمة الركح السياسي أقوام من الانتهازيين والوصوليين، وازداد صبّ الزيت على النار الذي امتهنته وسائل إعلام تخلط بين الحرية والتسيّب ولم يعد يهمّها غير بعض المصالح الماديّة الآنية…، في هذا الجوّ المشحون المنذر بكلّ المخاطر أتى ترفيع جديد آخر-وليس الاخير- في أسعار المحروقات كطلقةٍ تحذيرية لنُخب البلاد جميعها سواء منها التي في الحكم او التي في المعارضة لتذكّرها انها تتحمّل مسؤولية تاريخية بحجم منع إفلاس الدولة التونسية، وضمان تواصلها حاضرا ومستقبلا.
وأوّل مسؤوليات هذه النُّخب لا سيّما منها التي في الحكم، هو التأسيس لحوار مفتوح بمشاركة الجميع حول أمّهات القضايا التي تهمّ حاضر ومستقبل البلاد، وليس التفرّد بالراي والقرار.
الدكتاتوريات تبدأ بهكذا ممارساتٍ لتنتهي بالهزّات والإنهزامات مهما تصوّرت انها أنجزت وحققت لمجموعاتها الوطنية.
اليوم لا حوارات وطنية ولا نقاشات ولا تبادل آراء حول مسائل جوهرية مستجدّة او عالقة مثل إصلاح التعليم، أو تعصير الفلاحة التي يتوقف عليها قوتنا وقوت أولادنا وتعزيز استقلالنا، وصيانة البيئة…
وصولا الى أزمة الطاقة انتاجا وتوزيعا والتي أدّت الى ارتفاع أسعار المحروقات في كلّ أو جلّ بلدان العالم.
لكن الفرق بيننا وبين الشعوب الأخرى هو ان هذه الأخيرة توفّر أُسُسا قويّة للحوار بين مختلف مكونات مجتمعاتها وتبادل وجهات النظر والتفاهم والاقناع والاقتناع.
خذ لكَ مثلا مسألة أزمة الطاقة كيف جرت بشأنها في البلدان المتطورة مناقشاتٌ هامة أفضت الى إعادة النظر في نمط العيش إعادةً كاملة شملت مجالات عديدة مثل البيئة، والمرافٍق العمومية والخاصة من إنارة وتسخين وتبريد، وحتى طريقة سياقة السيارة بما في ذلك تخفيض السرعة وتفضيل وسائل النقل العمومي… وكلّ ذلك تكريسا لمبدإ أن الأشياء الكبيرة تبدأ بالأشياء الصغيرة.
والحقيقة أن لا فصلَ في أي مجتمع يروم التطوّرَ بين مجالات حياتة، فالإقتصاد ليس معزولا عن البيئة، والبيئة ليست منقطعة عن التربية، والتربية ليست مفصولة عن الثقافة بل الكلّ واحد متكامل ومترابط ومتلازم، ولا يمكن ان يقوم اي مشروع مجتمعي دون فكر وتصوّر وطرح جماعي، ودون تمكين الناس من المشاركة على قدم المساواة في القرارات التي تحدد مصير حياتهم. ذلك هو الحوار، وتلك هي الديمقراطية.
بالمناسبة:هل تساءلتم عن سبب تصرّف أحبّاء فريقنا الوطني بتلك الطريقة المُخجلة في معلب حديقة الأمراء في قلب باريس؟ لأننا فشلنا منذ عقود في تربية ناشئتنا، ولأن نظامها التربوي معطّل، والمدرسة الوطنية خاوية، والأسرة مستقيلة، والشارع متسيّب منتجٌ للتهوّر والعنف.
وكيف ما نكون في الداخل نكون في الخارج.
