تم يوم السبت 15 أكتوبر 2022 إعلِان التوصل الى اتفاق بين تونس وصندوق النقد الدولي حول منح قرض جديد لتونس بمبلغ 1.9 مليار دولار..
سيتم منحه على 48 شهرا أي اربع سنوات ان تمت الموافقة النهائيّة على هذا القرض من طرف مجلس الصندوق في ديسمبر المقبل.
الصندوق لم يوافق مبدئيا على مستوى خبرائه بمنح تونس هذا القرض الا بعد ان اخذ من الحكومة اغلظ المواثيق بان تواصل السير في النهج الذي سطره لها وهو رفع الدعم عن المواد الاساسية والتحكم في كتلة الاجور عبر التخفيض فيها والتفويت في المؤسسات العمومية المتعثرة اضافة الى اصلاحات جبائية اخرى سيتسلط ضغطها على المواطن حتى يتوفر للدولة موارد مالية تغنيها عن مزيد الاقتراض سواء من الداخل او الخارج مع رفع الدعم عن الدينار والسير شيئا فشيئا نحو تعويمه ليتراجع سعره اكثر مقابل سلة العملات الرئيسية في العالم خاصة الدولار والاورو.
هل سيمثل حصول تونس على هذا القرض الذي من اجله تم تقديم تنازلات كلفتها عالية جدا نهاية المطاف لمختلف مصاعب البلاد المالية والاقتصادية؟
قطعا لا وتصوير الحصول على هذا القرض على انه فتح عظيم مجانب للصواب لان تونس نالت اقل من نصف المبلغ الذي طلبته وكان ما منحه لها الصندوق اقل بمبلغ 700 مليون دولار عما تم الاتفاق عليه مع حكومة يوسف الشاهد في اطار اتفاقية القرض الممدد كما ان تونس ستاخذ هذا القرض على مدار 4 سنوات كاملة وفق اقساط لن يتجاوز القسط الواحد منها 300 مليون دولار كما ان مبلغالقرض لا يكفي حتى لسداد ديون تونس التي اقترضتها لتسديد ثمن وارداتها من الحبوب التي بلغت حسب البنك العالمي 3 مليارات دينار عام 2020 في انتظار صدور الارقام حول العام الماضي وخاصة هذا العام الذي شهدت فيه اسعار الحبوب عالميا ارتفاعا غير مسبوق كما لن يمكن هذا القرض من تغطية ديون تونس لاستيراد المحروقات والتي وصلت الى 5 مليارات دينار اما كل ديون تونس فيلزمها سلسلة من القروض مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وكل بنوك الدنيا لتغطيتها بعد ان بلغت مستوى خرافيا وصل الى 105 مليارات دينار في نهاية عام 2021 والمؤكد انها ارتفعت كثيرا في ما مضى من اشهر بعد ارتفاع اسعار البترول الحبوب.
كما يجب ان لا ننسى أنّ عجز الميزانيّة للسنة الحاليّة فقط بلغ 13 مليار دينار أي أكثر من 4 مليارات دولار وفشلت الحكومة في سدّه حتّى الآن ولذلك لم تقدم أي قانون مالية تكميلي ..
وطبعا سيكون العجز في الميزانية في العام القادم اقوى بكثير في ظل الظروف الدولية التي القت بظلالها على تونس بقوة خيالية بسبب ارتفاع اسعار الحبوب والمحروقات وكل شيء تقريبا ومهما رفعت الدولة في اسعارها في تونس فلن تغطي كلفة ما ستستورده ولن تنجح في توفير اعتمادات تغطي مقتنياتها وسيتواصل رفض المزودين تفريغ حمولاتهم وسيكون تبعا لذلك سيتجاوز عجز ميزانيّة سنة 2023 والتي قيد الاعداد هذه الأيّام ذلك المبلغ بكثير ..
وهو ما يعني بأنّ تمويل صندوق النقد الدولي لن يسدّ أيّ عجز ولن يحلّ الأزمة الماليّة الخانقة لحكومة قيس سعيّد.
كما انه غني عن القول التذكير بان هذا القرض لن يكفي ولو نلنا كل اقساطه دفعة واحدة ما حل اجل سداده من ديون خلال فترة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي من 2023 الى 2027 والبالغة قيمتها 3 مليارات دولار كما لا يمكن ان تغطي واردات البلاد من المواد الطاقية والحبوب والتي يشترط المزودون الحصول عليها نقدا وعدّا قبل تفريغ العمولة وقد تتواصل الرحلات المكوكية في كل مرة تقف فيها الزنقة بالهارب والى اتصالات هاتفية عاجلة لتسريح بضاعة ما رفض المزود تفريغها قبل حصوله على مستحقاته كاملة وستتكئ الدولة على البنوك المحلية مع اول كل شهر لسداد اجور الموظفين والعمال في القطاع الخاص.
لقد لعب صندوق النقد الدولي مع تونس لعبة “تقبيل الافعى او الوقوع في البئر” لانه اختصر مبلغ القرض المطلوب الى اقل من النصف ولم يعط مجرد اشارة بالموافقة الا بعد ان قدمت الحكومة كل التطمينات بانها لن تتراجع عن الاصلاحات ولو بلغ صراخ الشعب عنان السماء وطبق الارض من قطبها الشمالي الى الجنوبي وفي الاخير لا يمكنها الا من اقساط هزيلة على مدار اربعة اعاوم كاملة من المؤكد ان الدولة ولو استنجدت بافضل الاقتصاديين قدرة على التقشف لن تتمكن من انفاقها بطريقة ترضي الجميع وتخفف من حدة مؤشرات التوتر الاخذة في الارتفاع بشكل جنوني فماذا سيفيد قسط بمبلغ 300 مليون دولار،في بلد وصل فيه عدد الأسر إلى أكثر من 960 ألفا ، وفيه ما يزيد عن 6 ملايين من مواطنيه ، وهو نصف سكانه البلاد، قابعون تحت خط الفقر وارتفع فيه معدل البطالة ليصل إلى 18 بالمائة وتضرب هذه الافة بقوة شبابه.
هذه الموافقة وان يرى العديد من المتابعين انه ستفتح افاقا ارحب امام تونس في نيل قروض جديدة او الخروج الى السوق المالية الدولية دوان ان يتم “ذبحها” بنسبة فائدة مجحفة جدا الا انها لن تغير في الواقع شيئا لان المبلغ لا يشجع بقية المقرضين على منح تونس قروضا اخرى كما انه لن يمكنها من تحسين طاقتها الاقتصادية بشكل يحفز التوقعات في تسجيل نسبة نمو قادرة على اخراج تونس من متاهة التصنيفات السلبية من طرف كل وكالات التصنيف الدولية وهذا القرض لن يضخ الاوكسيجين في مفاصل الاقتصاد بل سيمنح الدولة بعض الراحة لسداد ما عليها ليس من ديون قديمة بل لتمويل مقتنياتها من حاجياتها الاساسية من محروقات وحبوب وادوية وغيرها.
هذا القرض لن يكون مغلاقا لابواب الجحيم المفتوحة امام تونس بل سيكون مفتاحا لابواب التوترات لان الصندوق سيتابع تونس في تطبيقها لما قدمته من اصلاحات وان تاخرت ولو قليلا او تراجعت ولو نسبيا فستعتبر الاتفاق وكانه لم يتم وتعود الى مربع المخاطر الجسيمة في غياب التمويلات وستدخل خانة الدول المفلسين ولن يقبلها حتى نادي باريس الذي لا يقبل الا الدول التي تتفق مع صندوق النقد وليس التي تتراجع على تنفيذ ما اتفقت عليه معه فنيل 1,6 مليار دولار لن يتم الا ان سارت تونس قدما في تنفيذ ما وعدت به وهو رفع الدعم والذي هو كفيل لوحده بان يزلزل الارض تحت اقدام الحكومة رفضا لتجميد الأجور وايقاف الانتدابات وخوصصة المؤسسات ستزيد من معاناة المواطنين لان المقتني لها سواء كان محليا او اجنبيا سيعمد اولا الى تغطية تكاليف الشراء بالترفيع في اسعار الخدمات والمواطن هو من سيدفع الفاتورة وهو الذي دفعها سابقا في رفع الدعم وتجميد الاجور وايقاف الانتدابات.
المواطن لن يرضى بدفع الفاتروة وحده لانه اصلا بما دفع فيه الكفاية ولم يعد لديه شيئا يدفعه وان كان لا بد ان يدفع فسيدفع بنفسه واولاده الى الشارع للاحتجاج وهان الارهاصات بدات تتواتر وتنبئ بشتاء ليس ساخنا فقط بل قد يكون قائضا.
ياسين الصيد
