اهلا بضاربي الدفوف في أزمنة الطمع والخوف !كلما استمعت إلى قوافل المداحين، وهي تعزف أهازيج النفاق الوضيع للماسكين بمقاليد السلطة، إلا و تذكرت ما يروى عن المتوكل من أنه خرج في رحلة صيد مرفوقا بكبير مستشاريه ومحل ثقته، فمرت أمامه حمامة متهادية، رماها بسهم فلم يصبها ! صاح مرافقه :” أحسنت” !!!
غضب المتوكل غضبا شديدا وٱعتبر ما قاله مستشاره إستهزاء به !! فما كان من المستشار الجاهز لكل الطوارئ إلا أن أردف :” أقصد أحسنت للحمامة عندما تعمدت ان لا تصيبها مولاي”.
هكذا هم المنافقون المداحون في كل الأزمنة والأمكنة، لا يكفون عن دق طبول الكذب والتمويه والمغالطة، والنفخ في مزامير تمجيد وتعظيم وتأليه الجالسين على كراسي النفوذ.
من دفع ببورقيبة إلى القبول بلقب ” رئيس مدى الحياة”؟ ومن أوهم بن علي بأنه فوق القانون والقيم ؟ ومن استغل الهشاشة الفكرية والنفسية للمنصف المرزوقي وأسقطه في متاهات العظمة الوهمية؟ ومن استقبل راشد الغنوشي ب:” أقبل البدر علينا ؟ إنهم المداحون والمنافقون.
من يضمن لنا أن الجالسين حاليا على سدة الحكم لن يسقطوا في الفخ الذي سقط فيه أسلافهم؟ فهاهم أصحاب الدفوف والمزامير يعزفون ويرددون المدائح والأذكار ذاتها، مع تغيير في الأسماء فقط !! هاهم وقد أحاطوا بهم وطوقوهم بكل آيات التهليل والتكبير، دون ردع من المطبل لهم، مهما كان نوعه !عن أي ديمقراطية يتحدثون وقد ألفنا الإنحناء للقادم الجديد، وكيل اللعنات للراحل الذي طالما مجدناه؟
لقد حذرنا من مدح المنافقين الذي سرعان ما يتحول إلى هجاء عند تغير الوضعيات والأحوال، ولكن تحذيراتنا ذهبت أدراج الرياح !وها نحن نحذر، مجددا، ونذكر لعل الذكرى تنفع الراكبين الحاليين على سروج السلطة والنفوذ.
كان الإسكندر الأكبر يخرج إلى الجموع الغفيرة التي تنتظر إطلالته كلما حقق نصرا وضم بالقوة منطقة أخرى إلى إمبراطوريته، فتأخذه نشوة العظمة إلى حد الإعتقاد بأنه إلاه، ولكن مستشاريه يهرعون إلى الإحاطة به، وهم يرددون على مسامعه :” لا تنسى أنك بشر ….لا تنسى أنك بشر…” فيستفيق من نشوة العظمة ويعود إلى رشده، وهكذا حقق كل تلك الإنجازات العظيمة المحفورة بعمق في ذاكرة التاريخ الإنساني، وحتى عندما وجد عسرا في فك لغز الشرق إستنجد بحكمة أرسطوطاليس، وكتب له مستشيرا وطالبا النصيحة في كيفية هزم شعوب تلك المنطقة، فأجابه ” الرأي عندي أن تجمع أبناء الملوك فيها فتملك كل واحد منهم بلدا واحدا، فإن كل واحد منهم يقوم في وجه الآخر يمنعه عن بلوغ غرضه خوفا على ما بيده، فتتولد العداوة بينهم، فينشغل بعضهم ببعض …
وتسهل السيطرة على مماليكهم ” وهو ما فعله الإسكندر الأكبر ونجح فيه.متى يدرك مسؤولونا أن المدح والتطبيل والتزمير لن ينفعهم كما لم ينفع الذين من قبلهم، وما عليهم إلا الإستفادة من نصائح الذين يسمعونهم الكلام الذي لا يريدون سماعه !!! ففي ذلك صلاحهم ورشاد حكمهم.
