
إذن، وخلافا لما كان متوقعا، وإلى حدود ما تمّ الإعلان عنه إلى حدّ الآن من نتائج، فإن ” التسونامي” الموعود منذ أشهر في انتخابات التجديد النصفي midterms في الولايات المتحدة الأمريكية لم يقع، ويمكن القول إن الديمقراطيين خرجوا بأقل الأضرار وحافظوا على أهم مواقعهم، بل واحتفظوا بإمكانية ترشيح بايدن لمدة رئاسية أخرى إن شاؤوا وشاء هو.
في المقابل لم يحقق ترومب ومن دعمهم من الجمهوريين ما كان منتظرا من فوز ساحق واكتفوا بنتائج متواضعة لن تمكّنهم من “قلب الطاولة” على الديمقراطيين والسيطرة على مجلس الكونغرس الذي بيده مفاتيح القوانين والميزانية و، بالنتيجة، مستقبل الانتخابات.
إنها فعلا مفاجأة إذا اعتبرنا ما كان متوقعا من نتائج حول تر اجع الديمقراطيين تفننت وسائل الإعلام لا سيما القريبة من الصفّ الجمهوري في إبرازها.
ولكن كيف حدثت هذه المفاجأة؟أكثر من سبب يفسّر خيبة الجمهوريين وفشلهم في تحقيق النجاح الذي كانوا ينتظرونه لإعادة ترومب عل سرج الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومن أهمّ هذه الأسباب ثلاثة:
أولا، وكما جرت العادة عندهم فإن الأمريكيين قلّما يغيّرون مسؤوليهم بسبب انتمائهم السياسي أو لمجرّد التغيير، بل يفضّلون إعادة انتخاب من حققوا نجاحاتٍ وتثبيتهم في مناصبهم اعتبارا لما يولونه من أهمية وقيمة لعوامل التجربة والخبرة والمعرفة بالملفّات، لذلك فقد ابقوا على جلّ كبار المسؤولين الديمقراطيين من نواب وشيوخ وولاّة ومنحوهم الثقة مجددا لما رأوا من إنجازات تمت على يدي هؤلاء المسؤولين.
ثانيا لأن الديمقراطيين وعلى رأسهم الرئيس بايدن الذي استعان بالمناسبة بالرئيس الأسبق باراك أوباما، ركّزوا في حملتهم الانتخابية على مسائل ثقافية كان لها الوقع الحاسم داخل مجتمع أمريكي يعيش تحولاتٍ حضاريةً عميقةً.
اثنتان من هذه المسائل كان طرْحُهما على الساحة العامة فاعلا وفعّالا، اوّلها مسألة حرية الإجهاض التي يتخذ الجمهوريون المحافظون موقفا رافضا بدعم من المحكمة الفيديرالية العليا التي نصّب أعضاءها الرئيس السابق دونالد ترومب، وثانيهما مسألة الديمقراطية التي عرفت انتكاسات حقيقية كانت أبرزها أحداث الكابيتول.
الحرية الشخصية والديمقراطية قيمتان اساسيتان لم تقدر مسألة التضخّم التي طرحها شقّ ترومب ان تهمّشهما في نظر الرأي العام الأمريكي.
ثالث أسباب فشل ترومب والجمهوريين في تحقيق انتصارهم المرتقب، ولعلّه السبب الأهم، يعود دون شكّ إلى تراجع الحركات الشعبيوية في العالم والتي كان رمزها الرئيس ترومب نفسه.
كل هذه الحركات التي تستميل الجماهير بخطابات رخيصة أخلاقوية أو تمييزية بدأت تُعلن فشلها في أكثر من بلد، كان آخرها البرازيل حيث سقط اليميني المتطرف جايير بولصونارو، وقبلها بريطانيا التي تتفاهم معاناتها الاقتصادية يوما بعد يوم بسبب قرار خروجها من الوحدة الأوروبية الشعبوي.
كل زعماء تلك البلدان اكّدوا عجزهم عن تقديم إصلاحات ذات جدوى وفعالية، بل وأدّت سياساتهم في أغلب الأحيان الى عكس ما وعدوا به، فازداد عدد الفقراء بقدر ازدياد ثراء الأغنياء، وتفاقمت أزمات بلدانهم وتشعّبت.
الى كلّ ذلك يضاف أن الشعبوية تقود في النهاية الى التطرّف والعنف، وهو درس الكابيتول الأمريكي الذي لم ينسه الأمريكيون فلم يصوّتوا لترومب رغم أخطاء بايدن.
