
لا شيء ولا أحد يمكنه ان يبرر أن يبقى طفل واحد من أبناء تونس محروما من حقّ الدراسة، أو أن يُمنع من التعليم، أو ان يُحرم من ارتياد المدرسة. ليس ذلك فقط لأن التعليم حقّ في كل شرائع ودساتير الدنيا كاستحقاق إنساني يكاد يكون مقدّسا، بل لانّه كذلك مصدر، ولعله المصدر الأهم، للتمكين والتألق واكتمال انسانية الإنسان.
لقد أُشبعنا ثرثرة عقودا طويلة حتّى كادت تنزف آذاننا حول الجهد الجبار الذي تتحمله الحكومات منذ استقلال البلاد لضمان حق التمدرس لكل طفل.
وكم قيل لنا إن بلادنا تخصص كل سنة ثلث ميزانيتها للتعليم، وإننا بفضل ذلك صرنا نُصنّف بين الأوائل في العالم ونحتلّ طليعة دول العالم الثالث.
اليوم نكتشف ان كل ذلك لم يكن الاّ وهمًا وان تونس جامع الزيتونة أوّل جامعة علميّة في العالم، وتونس عبد الرحمان ابن خلدون الذي لم يكن يسأم ينادي:”علّموا ابناءكم القراءة والكتابة ثم علموهم الحساب لأن الحساب للعقل مثل الصابون للجسم يطهّره ويزيل عنه الأوذار…”، ليست في الحقيقة والواقع أفضل حالا من جلّ بلدان العالم الثالث، وأنها فيها اليوم أكثر من مليوني شخص لا يحسنون القراءة ولا الكتابة، وأن معدل نسبة الاميّة يبلغ 18% واحيانا يتجاوز الثلاثين% في بعض جهات الوسط والشمال الغربي من البلاد، وأن الأكثر تضررا في هذا الوضع هن الفتيات أمهات المستقبل الاّتي يقوم عليهن مستقبل مجتمع العدل والمساواة والتطوّر الذي ندعي السعي إليه.
لم نكن نعيش إذن وهمًا وحسب، بل كذبةً كبيرةً انكشف وجهها المخيف بعد التخلي عن عشرات الآلاف من أبناءنا-150000 حسب وزير التربية- وتركهم لمصيرهم الحزين خارج أسوار المدارس.
كلّ ساعة ضائعة تمرّ على هؤلاء الأطفال دون تعلّم هي ساعة محسوبة تقرّبهم أكثر من منطقة الخطر الذي يسبب لهم تَلَفا وتتبعات خطيرة.
وماذا يمكن ان نقول بعد أكثر من شهرين كاملين من الحرمان من الدّرس؟ الخوف ان يكون التدارك أصبح غير ممكنا وانه وقعت التضحية بالجزء الأكبر من جيل كامل سوف يبقى ملاحَقا بهذا النقّص في تكوينه الأساسي.
والسؤال: من المسؤول عن هذه الكارثة، لا، بل عن هذه الجريمة؟الجواب:كلّنا جميعا دون تمييز ولا استثناء.
المسؤولين الإداريين أولا، وعلى رأسهم الوزير، الذين عجزوا عن إيجاد الحلول الملائمة لأزمة كانوا يتوقعون اندلاعها بعد الظلم الذي سُلّط على المعلمين والازدراء بحقوقهم.
المعلمين ثانيا، ومن وراءهم نقابة التعليم الاساسي، الذين كان بإمكانهم التنازل قليلا واعتبار أولوية حق الأطفال في التعلّم، وبدء مباشرة مهمّتهم دون التنازل عن شيء من مطالبهم.
المواطنين ثالثا، كلنا جميعا، الذين أصبحنا نقبل برؤية أطفالنا، رجال الغد ومستقبل البلاد، محرومين من المدرسة ولا نحرّك ساكنا.
في بلدان أخرى وتحت سماوات أخرى أكثر وعيا ومسؤولية يتجنّد الناس ويخرجون مطالبين بحلّ عاجل، وقد يقبلون ان يدفعوا مما لديهم ولو كانت بهم خصاصة حتى لا يبقى تلميذ واحد خارج المدرسة.
وهل يمكنني سيدي الرئيس الاّ اتوجّه إليكم، وانتم صاحب القرار، كل القرار، لأقول لكم بكل احترام وبكل ألم أن لا معنى للجمهورية، ولا مستقبل للديمقراطية، ولا مصداقيّة للعدالة الاجتماعية، ولا قيمة للانتخابات مهما كانت اذا كان أبناء تونس محرومين من التعلّم.
وهو الواقع اليوم.
