
أسبوع مرّ على انطلاق كأس العالم لكرة القدم في نسختها 22 التي تدور أطوارها بقطر، ولم ينفك النجاح يرافقها على كافة المستويات: تنظيميا، وجماليا، ونوعيا، واختلافا.
نعم،”اختلافا”، هي العبارة التي يجدر التشديد عليها.
لأن قطر تقدّم اليوم مهرجانا كرويّا في قمّة التطوّر والدقّة، مستعملةً أكثر وسائل الإعلام العالمية حداثة ونجاعةً. وفي الوقت ذاته لم تتنازل عن ما يميّز ثقافة شعبها وتقاليده لإرضاء بعض الذين وضعوا أنفسهم في مركز العالم ليفرضوا ميولاتهم وأهوائهم ولإملائها مُثُلا عليا على كلّ شعوب العالم، الذين إن لم يفعلوا فهم إذن رجعيّون، متخلفون، أعداء للحرية الشخصية والتقدّم الإنساني.
صحيح ان قطر دولة غنية لديها وسائل سياستها. لكن كم من دولة عربية تتمتع بثروات طبيعية هائلة ولم نر لها حضورا ولا أثرا ايجابيا لا في العالم العربي الذي تعاني اجزاء منه المجاعة وعودة الاوبئة، ولا في العالم؟
انه لمما يثير الاشمئزاز حقا ما نراه من إصرار عند بعض الأوساط السياسية الغربية التي تريد احتكار” التفكير السليم” la bien- pensence لإنكار حقّ الاختلاف على الآخرين وتحقير انجازاتهم والحطّ من قيمتها.
كما لا تزال بعض الوسائل الإعلامية في نفس ذات البلدان الغربية تواصل “تنقيرها” على كأس العالم بقطر والإدعاء ايحاءً وتصريحا بانّها “اشترت”حقّ تنظيم هذه الدورة وتوخّت في ذلك كل الأساليب بما فيها الغير قانونية.
لسنا بالسُذّج ولا بالاغبياء حتى نعتقد أن قطر حصلت على تنظيم كأس العالم “مجانا” وأنها لم “تلعب اللعبة” مثلما فعلت قبلها روسيا وقبلها البرازيل وغيرهما من البلدان الأخرى التي احتضنت هذه المهرجانات الرياضية العالمية وتحوّلت بذلك الى محطّ أنظار واهتمام العالم.
لا يراودنا أدنى شك ان قطر قامت بما يجب القيام به من جهود ديبلوماسية واتصالية ومن تحركات في الكواليس ومن ضغوط كذلك وربما من إغراءات للفوز باحتضان هذه الدورة من كأس العالم، و هو أمر منطقي ومطلوب بالنظر للهدف المرسوم والذي تحقق لها منذ 12 سنة.
فلماذا سكت هؤلاء الذين ينتقدون اليوم قطر وقد سكتوا كل هذه السنين؟ هل لأن مصالحهم كانت تقتضي ان يسكتوا مثلما تقتضي اليوم ان يتكلموا؟ اذا كان الأمر كذلك، ويبدو انه كذلك، فنحن في أعلى قمم النفاق.
الحصول على تنظيم كأس العالم لكرة القدم لعبة سياسية انفردت بها كبار الدول الغنية، الى حدّ دخول قطر هذا النادي المغلق، وهو يا يبدو قد أثار قلق بعض أعضائه الذين كانوا يعتقدون ان لهم وحدهم حقّ وقدرة لعب اللعبة.
اللعبة انتهت وقطر، الدولة العربية، بصدد إثبات جدارتها بتنظيم كأس العالم لكرة القدم بنجاح باهر.
لكن اللعبة ليست اللّعب. اللعبة سياسية تتم في الكواليس. أما اللعب فهو يُمارَس على المستطيل الأخضر.قطر نجحت في اللعبة، لكنها تعثرت في اللعب.
لكن باقي الفرق العربية أكدت كلها انها حققت تطورا ملموسا يمكنها لو واصلت على هذا الدرب، من الالتحاق بكبار فرق الدول العريقة في المجال.
اللعب أمر جدّي يحتاج مهارة، وتكوينا، ودُربة، وتدريبا، وثقافة، وذهنية، وكل ذلك يتطلب إمكانيات ماديّةً وبشرية لا تتوفر الاّ لفرق البلدان الاوروبية أو من حذا حذوها وشابهها من بلدان أمريكيا اللاتينية.
لذلك ستتواصل السيطرة الأوروبية على اللعب بعد ان تحكّموا عقودا طويلة في اللعبة.
في هذا المشهد المتكرر تأتي بعض الأشعه الشمسية من إفريقيا وأمريكا الجنوبية من غانا ومن الإكوادور ومن المغرب والسعودية وتونس ولو بقدر أقل لتضيء ملاعب قطر بكرة قدم تلقائية وجميلة.
