
في أقلّ من أسبوع، بين يوم الأربعاء 28 ديسمبر و السبت 31، ألقى الرئيس قيس سعيد خطابين اثنين مختلفين، بل ومتناقضين لهجةً ومضمونًا.
في خطابه الأول المسجّل والذي قدّمه بحضور رئيسة الحكومة ووزراء العدل والداخلية والدفاع وكبار قادة الجيش والأمن، لم يخرج الرئيس عن دائرة حقله المعجمي وكلمات “الفساد” و”الخيانة” و”بيع الضمائر” التي عوّد عليها التونسيين، ولا كذلك عن لهجة التهديد والوعيد والإنذار بالمحاسبة، لكنه ذهب إلى أبعد هذه المرّة وأعلن في نبرة حادّة أن “السيل قد بلغ الزبى”وان “هذه الأوضاع لن تستمر”.
في خطابه الثاني الذي أكد في خصوصه انه مباشر، والذي توجه فيه بتهانيه الى الشعب التونسي بمناسبة السنة الجديدة، لجأ الرئيس في غير عادته الى عبارات أكثر مرونة وإلى نبرةٍ أكثر هدوءًا داعيا الى تجاوز الماضي والانخراط في العمل، وكانت الكلمة الرئيسية فيه أن ” تونس تتسع للجميع”.
كيف يمكن قراءة هذا التغيّر في الخطاب الرئاسي وتفسيره؟
اختلفت التأويلات وتباينت، فهناك من اعتبر الخطاب الثاني مناسبتيّا لا يقاس عليه، وان الأصل يبقى ماجاء في الخطاب الأول من توجّه ثابت لا يخلو من شعبوية، نحو تعيين المسؤولين عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية و السياسية ممن يتهمهم الرئيس بالخيانة وانعدام الوطنية والعبث بقدرات البلاد. وتخلص هؤلاء الى ان الرئيس سعيد لن يُغير شيئا وانه سيواصل في خطابه المعهود كما في ممارسته السياسية.
في المقابل هناك من يعتبر ان خطاب 31 ديسمبر، وإن فرضته مناسبة التهنئة بالسنة الجديدة، فإنه قد يؤشّر الى تغيير في سياسة قيس سعيد نحو أكثر تهدئة وطمأنةً وتفتّحا على من يخالفه الرأي، خصوصا وإن تمشيه الانفرادي أدى الى انسداد واضح اثبته انتخابات 17 ديسمبر التشريعية التى قاطعتها غالبية الشعب التونسي.
قيس سعيّد سيتغير؟ قيس سعيّد لن يتغير؟
الجواب عن هذا السؤال موكول لمستجدات الأسابيع المقبلة على كلا الصعيدين الاقتصادي والإجتماعي المرشّحين لمعرفة مزيد من تفاقم المصاعب التي لن تستطيع تحملها الشرائح الشعبية الواسعة، والتي لا يمكن معالجتها أو احتوائها خارج النهج التحاوري التوافقي. صحيح ان السيل بلغ الزبى ولكن قد لا يكون ذلك من الجانب الذي يراه الرئيس وإنما من الجانب الذي تراه تلك الشرائح الشعبية والتي لم تعد قادرة على ضمان لقمة العيش في ابسط معانيها.
وفي مواجهة هذا الاحتمال وكل الاحتمالات السيّئة، فإن الرئيس سعيّد مطالب بتغيير خطابه الذي فقد الكثير من تاثيره ومصداقيتة أمام الواقع المعيش وحقيقته العنيدة ولم يعد ذلك الخطاب منتجا لأية معنى أمام تواصل تدهور الأوضاع اليومية للتونسيين وتغيّم الأفق السياسي.
والسؤال هو:إذا كان الرئيس وانصاره راضين عن الخطاب الحالي المعبّر عن سياسته التي بشّر بها منذ 25 جويلية 2021 وعمل على تطبيقها لإنقاذ تونس، فكيف نفسّر ان يقدم الإتحاد العام التونسي للشغل على طرح مبادرة يجمع لها اهم المنظمات الوطنية ويطلق عليها اسم “مباد ة لإنقاذ تونس من الانهيار”؟ أليس للكلام معنى؟ فمن ينقذ ماذا ممّن؟
