
ما هذا الأزيز الذي انطلق في أوج القيلولة لإزعاجنا مع أجوارنا ؟ إطلالة من الشرفة كانت كافية لمعرفة المصدر.
إنّه المنشار الكهربائيّ يعذّب به حامله وأعوانه الشجرة الوارفة الظلّ الجميلة المنظر التي دأبت على تأمّل بدائع الخلق الإلهيّ فيها وفي الطبيعة إذا كلّت نفسي واحتجت إلى طاقة إيجابيّة لإتمام عمل أو للانطلاق في آخر، وأصعب الأمور بداياتها.
جميلة في الشتاء العاصف برياحه القويّة وأمطاره الغزيرة، وجميلة في الربيع بأزهارها، وفي الصيف القائظ بالنسمات تداعبها، وهي ثابتة على مرّ السنين رغم تقلّب الأحوال ومعاناة الإهمال من دون سقي ولا تشذيب، حبيسة الحديقة في دار يتناوبها المكترون أو تترك مغلقة أيّاما أو شهورا.
وها قد بانت علامات الخير من المالك الجديد إذ بادر بإعدامها في يوم الإضراب العام الذي فرضه اتّحاد الشغل على الموظّفين بحرمانهم من وسائل النقل ليصرّح بالنجاح مائة بالمائة.
وإذا كان إعدام المجرم لحظة خاطفة فإنّ إعدام الشجرة عذاب لساعات بالتكنولوجيا المتقدّمة، ولا قدرة لهذا الكائن الحيّ على الهروب لثبات أصله في الأرض ولا على التوجّع والتشكّي والاستعطاف والاستنجاد لجهل ابن آدم، خليفة الله في الأرض لإعمارها وليس لخرابها، بلغات غيره من المخلوقات والكائنات.
وبتمام القضاء على الشجرة ظهر ما كانت تستره من فحش البناء ومهملات السطوح كمن تعرّت عورته وانكشف عيبه.
وما هي إلاّ ضربة البداية التي سيعقبها أذى كبير إذا تحوّلت الحديقة إلى ورشة نجارة صاخبة أو مستودع لإصلاح السيّارات ملوّث للمحيط.
ومن يتكلّم أو يستنكر هذا وما بعده أمام جار جديد له أو وراءه أصحاب نفوذ أقوى من القانون ؟ أمّا أنا فأصبحت مصابا بما يشبه الحساسيّة تجاه الأصوات المنكرة. وكلّما سمعت صرير المنشار الكهربائيّ قلت في نفسي: “من تكون الضحيّة الموالية ؟ الله يستر”.
وتونس خضراء بالأشجار المنزليّة وسط الديار العتيقة أو في حدائق “الفيلات” الراقية، وخضراء بالحقول والبساتين وخاصّة بالغابات مصدر الكثير من الخيرات.
ومن اقتلع شجرة في منزل أو حديقة كمن أحرق غابة وأضرّ بالبيئة من الغطاء النباتي إلى التنوّع البيولوجي. ووراء كلّ جريمة أطراف مستفيدة.
الشعوب الواعية في البلدان المتقدّمة والمدن الراقية تفكّر في أشجار الزينة قبل التخطيط والتقسيم في أيّ مشروع عمراني بقدر ما يهتمّ المواطن بتجميل منزله بخضرة الأشجار والأزهار وما تجلب من النحل والفراشات والأطيار؛ يستمتع بها ناظرا وسامعا من فصل إلى فصل ومن وقت إلى وقت.
وأذكر نخلة من بقايا سباخ سقانص من ضواحي المنستير صادفت مشروعا سياحيّا رفيعا فأبى المهندس المعماريّ إعدامها وجعل منها نقطة مضافة إلى جمالية المكان، فجعل بركة السباحة محيطة بها وهي في وسطها كاللّؤلؤة تتوسّط العقد الثمين على صدر جميل.
وبنو هلال أسرع الأعراب إلى الحرق والقلع حتّى أنّه لم يسلم من فسادهم في الأرض لا عود أخضر في بستان ولا عود يابس في بنيان.
أولئك أجدادنا، فهل نكون خيرا منهم بعكس ما ورثنا عنهم من عقليّة الأنانيّة وعادات النهب والسلب والعبث والهدم.
ولا ينفع العقار فيما أفسده الدهر إلاّ أن يأتي الردع أقوى والعقاب أمرّ من العقار المستضعف. وقانون الحرب في الإسلام يمنع قطع الشجر بقدر احترام ضعفـــــاء البشــــر.
ولكنّ عنفنــــا اليوم تضاعف فصار طاغيــــا على كلّ شيء ومستفحـــلا في كلّ مكــــان.
وما أسهل عدواننا على بعضنا بعضا لأتفه الأسباب وحتّى على المغروسات في الحدائق والمظلّلة للشوارع، بل حتّى على القطط والكلاب والحال أنّنا خير أمّة أخرجت للنّاس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بإذن الله وبتغيير ما بأنفسنا.
