
سياسي، لا حزبي
كيف يكون الإتحاد سياسيا ولا سياسيا في آن الوقت؟ ذلك هو السؤال الذي صاحب عمل الإتحاد منذ الاستقلال، يضغط ويحتدّ في فتراتٍ ويهدأ في أخرى، وهو نفس السؤال المطروح اليوم على قادة الإتحاد في ظلّ تغييب أو انسحاب الأحزاب السياسية على خلفية قرارات ما سمّي ب”مسار 25 جويلة 2021″، والتي مهّدت لحل البرلمان وكتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات تشريعية.
في هذا الوضع الغير مسبوق وجد الإتحاد نفسه وحيدا على الساحة السياسية فاختار الحياد في البداية تاركا لمنظوريه حرية التصويت من عدمه، آملا من وراء ذلك المحافظة على دور الحَكم في حالة توجّه الرئيس سعّيد الى طاولة الحوار الذي دعت إليها قيادة الإتحاد أكثر من مرة.
غير أنه في السياسة ليس هناك مكان لموقف”البيْن بين”، وهو ما فهمه قادة الإتحاد لما ادركوا رفض الرئيس سعيد دعوتهم للحوار، فانتقلوا الى إعلان المواجهة بعد أكثر من سنة قضوها في تأكيد مساندتهم لمسار 25 جويلية ورفضهم في نفس الوقت تواصل النّهج الانفرادي للرئيس: لا عودة لما قبل 25 جولية ولا قبول بحكم الفرد الواحد، هكذا كان الشعار الذي رفعه الإتحاد قبل ان يُقرّ بخيبة أمله ويبدأ في الحشد للتحرّك الميداني مستعملا سلاحيْه الشرعيين التقليديين، وهما التظاهر والإضراب.
الحقائق الثلاثة
والحقيقة الاولى أن الإتحاد العام التونسي للشغل وهو يقرر خوض المعركة إنما هو يخوضها لنفسه كمراهنة على تواصل وجوده كمنظمة شغّيلة لها مكانتها التاريخية وإرثها السياسي.
فلا شك كذلك ان قادة الإتحاد قد استشعروا الخطر بعد ان ادركوا تصميم الرئيس سعيّد على المضي قُدما في تحقيق مشروعه الذي لم يُظهر ان للمركزية النقابية دورا فيه، على الأقل في مرحلته الأولى، وبعد أن أصبحوا هدفا للانتقاد من جانب قواعدهم، ومن انصار 25جويلية على حدّ السواء.
الحقيقة الثانية أن تحييد الأحزاب السياسية كان له تاثير مزدوج على الإتحاد: فمن جهة يمكن القول إنه تحرر من التبعية السياسية، ومن جهة أخرى إن دوره السياسي قد تعزز.
فلقد كان الإتحاد منذ فجر الاستقلال في تبعيّة غير معلنة ولكنها حقيقية للحزب الدستوري الحاكم لم يتخلص منها الاّ بعد أحداث 26 جانفي 1978 بخروج ( أو إخراج) الراحل الحبيب عاشور من الديوان السياسي للحزب.
الرئيس بن علي الذي شهد ” أحداث الخبز” وكان لاعبا اساسيا فيها، نجح في” ترويض” الإتحاد وإبقائه، لعقدين كاملين من الزمن بعيدا عن دائرة العمل السياسي بحصر المعنى، لكنه، جعل منه، رغما عنه، ملجأ اللقوى المعارضة بكل توجهاتها والتي تكتلت في 2011 لتوجّه الضربة الحاسمة لنظامه.
اما الحقيقة الثالثة فهي انه لا يمكن في أي نظام ديمقراطي أو ينشد الديمقراطية، ان يقع الاستغناء عن الدور النقابي الذي هو في قلب العملية السياسية ككل وفي كل مراحلها.
وذلك لأن المؤسسة النقابية معنيّة بالضرورة بسياسات الدولة وخياراتها في مختلف مجالات الحياة من تعليم وصحة ونقل وسكن وجباية ووظيفة وغيرها، بل ويتعدى هذا الدور الذي أصبح يعرف اليوم بالنقابية الكاملة le syndicalisme complet، ليشمل القضايا الجهوية والاقليمية والعالمية.
ولعلّ ذلك ما جعل الإتحاد العام التونسي للشغل في تفاعل دائم مع مجريات الأحداث الكبرى لا سيما منها المتعلقة بنضالات الاستقلال والحرية.
لكن اضطلاع المركزية النقابية بدور سياسي أصبح مفروضا في ظلّ ما تعتبره تهميشا لمساهمتها وتقليلا لمكانتها التاريخية من طرف الرئيس سعيّد، يتطلّب منها توفّر بعض الشروط أهمها ان يكون لها مشروع بديل واقعي وذو بُعد مستقبلي..
وهنا تكمن كل الصعوبات لأن الإتحاد، حتى وهو يضطلع بدور سياسي أكثر وضوحا، لا يمكنه ان يتحوّل إلى حزب سياسي دون ان يعرّض إرثه ووجوده للخطر .
كذلك، وحيث ان التجارب التاريخية اثبتت ان توجّه المؤسسة النقابية الى العمل السياسي يؤدي بها في احيان كثيرة الى “اليساروية”le gauchisme، ثم الى الراديكالية والتطرّف، فإنه يجب التأكيد على ضرورة أن يكون المشروع المقترح عملياواقعيا ومستجيبا لانتظارات وتطلعات الشرائح الشعبية دون خنق مؤسسات الإنتاج أو تنفير المستثمرين.
الدور المفروض
ولعل كل هذه الشروط لم تغب عن إدراك قيادة المركزية النقابية فتوجّهوا نحو إعطاء خطابهم بُعدا اقتصاديا اعتمادا على ثابتهم التاريخي الاجتماعي-السياسي وبالارتكاز على اتفاقيات المنظمات العالمية الذي ينتسب إليها الاتحاد وعلى رأسها منظمة العمل الدولية.
كما حرصوا، من جهة، على إدراج تحرّكم ضمن مبادرة مجتمع-مدنية تجنّبا لكل انتساب سياسي ظاهر، وعلى إحياء ذكرى رباعي الحوار الفائز بجائزة نوبل2015، من جهة أخرى، بما يضمن للمبادرة اهتماما دوّليا وقيمة تتعدى الحسابات السياسية المحلية.
لكن 2023 ليست 2015، والإتحاد يعلم أن له الدور الأهم في هذه المبادرة المدنية بحكم وزنه القاعدي وعمقه التاريخي وتجربتة النضالية ونزعته السياسية المنقوش في حمضه النووي.
وليس الإتحاد وحده من يعلم هذه الحقيقة بل الجميع احزابا سياسية ومنظماتٍ واتحاداتٍ وجماعاتٍ وجمعياتٍ…،كلهم متفقون على حقيقة ان الإتحاد هو اليوم اللاعب الأساسي على الساحة، بعد ان أثبتت مسيرات 14 جانفي واقع التشتت الذي يميّز المشهد السياسي الحالي وغياب قائد أو حزب قادر على تجميع التشكيلات المتناحرة وتوحيد طاقاتها في مواجهة الرئيس سعيّد.
وخلاصة القول أن الإتحاد العام التونسي للشغل يجد اليوم نفسه كما في مرات عديدة في السابق، مُلزما بلعب دور المعارِض الأول للسلطة الحاكمة، مع اختلافات هامة هذه المرة وهي ان المعارَض المباشر هو رئيس الجمهورية، وأن ليس له وسيط حزبي مهيكل، وان الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد لم يعد محتملا.
وأن كل وقت يمرّ دون البحث عن حلّ يزيد من مخاطر اندلاع حريق يصعب إطفاء.
