أجواء تصادم أصبحت تخيّم على العلاقات بين اتحاد الشغل والحكومة بعد تسريب المنشور الذي أرسلته رئيسة الحكومة نجلاء بودن طالبةً دعم المنظمات النقابية الأخرى غير الإتحاد. وهذه النقابات هي الكونفدرالية العامة التونسية للشغل، واتحاد عمال تونس، والمنظمة التونسية للشغل، واتحاد نقابات النقل، والنقابة الوطنية لاعوان وإطارات العدلية، والإتحاد التونسي للمربين.
ويتمثل الدعم الذي تدعو اليه رئيسة الحكومة لفائدة تلك النقابات في أن تتولّى الوزارات والمنشآت العمومية خصمَ معلوم انخراط أعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية بعنوان 2022، وتحويل مبالغ الخصم مباشرة الى الحساب الجاري لتلك المنظمات النقابية.

ويؤكّد المنشور على أنه يكفي ان يتقدّم العون بطلب كتابي ويعمر المطبوعة الخاصة بالنقابة المعنيّة ليتمّ الخصم بعنوان السنة الماضية 2022 وتضاف إليها السنة الجديدة 2023.
وإن لم يخرج مضمون المنشور عن إطار القانون باعتبار أن التعددية النقابية مضمونة في البلاد، الاّ هذا القرار من جانب الحكومة يمثّل إعلان حرب على الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يُعتبر منذ الإستقلال المنظمة النقابية الوطنية الممثلة للاغلبية العمّالية والحاملة للواء الدفاع عن الطبقة الشغيلة، مما اكسبها صفة واسم ” المركزية النقابية” ومكّنها من أن تكون الشريكَ الإجتماعي الأهم في البلاد، بل وأحد الفاعلين السياسيين الوازنين على الساحة الوطنية، لا سيما بعد الثورة.
رغم إعلانه تأييد قرارات 25 جويلية، إلا أن الإتحاد وجد نفسه مهمّشا في المشهد السياسي الجديد فطالب بالحوار وبتشريكه في صياغة مشروع الحكم الذي شكّله الرئيس قيس سعيّد، وقدّم مقترحاتِ في الغرض لم يستجب لها رئيس الدولة، مما انتهى بالاتحاد الى تغيير خطابه أمام ما اعتبره انساها متعمّدا من جانب الرئيس، والتهديد باللجوء الى النزول الى الشارع واستعمال سلاحيه الممثلين في التظاهر والاضراب.
لكن يبدو أن الرئيس سعيّد هو من قرر المواجهة بالامر بإصدار هذا المنشور الحكومي الذي يفعّل في الظاهر التعددية النقابية، ولكنه يكسر في العمق جناحَ الإتحاد العام التونسي للشغل بحرمانه من الدّعم المالي الذي كان يلقاه في شكل مساهمات متأتية من الخصم الآلي من أجور العالمين والموظفين.
لكن ما سيفقده الإتحاد ليس الدعم المالي وحسب، وإنما كذلك وبالتوازي مكانتَه المركزية ودوره التاريخي، بالنتيجه، كالمنظمة الوطنية الأولى في البلاد.
والسؤال المطروح الآن هو:
ماذا وكيف ستكون ردّ فعل قيادة الاتحاد الذين يضعهم قرار الحكومة في وضع مستحيل بين خيارين لا ثالث لهما: فأما المواجهة مع السلطة بما تتضمن من مخاطر، وإما القبول بالأمر الواقع أي بالقرار الوارد في المنشور والنهاية كمركزية نقابية.
العربي الزغلامي
