
انتهى منذ أيام قليلة مونديال كرة اليد الذي دارت فعالياته في البلدين المتجاورين بولونيا والسويد والذي فاز بكاسه الدنمارك.
تونس البلد الأكثر تتويجا إفريقيا وعربيا خيّبت مرّة أخرى الآمال مؤكّدة تواصل تراجعها بين أمم هذه اللعبة بعد ان أنهى ممثلونا مشاركتهم منذ دور المجموعات، وليحتلوا في ختام هذا المنديال المرتبة 25 ضمن ال32 دولة المترشحة للظفر بالكأس.المرتبة مذلّة دون شك إذا اعتبرنا تاريخ وإنجازات البلاد لعلّ أبرزها كان التتويج بالمركز الرابع في بطولة العالم التي احتضنتها تونس سنة 2005.قلنا إن المرتبة 25 مذلّة.
وهي أيضا خطيرة. لماذا؟ لأنها أولا تعني عجزنا عن المحافظة على مكاسبنا المعنوية ذات البُعد العالمي، ونتيجة لذلك، فقداننا لإشعاعنا والتاثير في محيطنا الجغرافي، وما يترتب عنه من خسارة مادية ناجمة عن غياب لاعبينا ومدربينا في الخارج.ولأنها تكرّس، ثانيا، عقليّة القبول بالهزيمة والاستكانة والاقتناع بان”المهم هو لمشاركة” لتبرير فشلنا.
ولأنها ، ثالثا، تحطّ من قيمة هذه الرياضة وتضرب مصداقيتها وتحدّ من قوتها في احتضان شرائح واسعة من شبابنا وشابّاتنا وتمكينهم من التألّق والتحقيق الذّاتي.
وليس أخطر على حاضر ومستقبل شعب يقبل شبابُه بالفشل ويرضى به خصوصا بعد ما كان يصنع الانتصارات. فبقدر ما نسعد اليوم لصعود بلدان شقيقة الى فرق الصفّ الأول في العالم، بقدر ما يصيبنا الإحباط ويعترينا الألم حينما نرى بلادنا تتقهقر الى هذا المستوى المتدني، والحال أن تلك البلدان الشقيقة لم تكن أصلا تعرف كرة اليد يوم كانت تونس تُصنّف ضمن نخبة هذه اللعبة. ومما يزيد من إحباطنا وألمنا، إعتقادُنا ان كرة اليد، بجانب تاريخها الطويل في بلادنا، فهي لعبة مناسبة لشبابنا، إناثا وذكورا، وتتلاءم جيّدا مع واقعنا الاقتصادي والاجتماعي.
فهي رياضة لا تتطلب استثماراتٍ كبيرة مثل كرة القدم، ولا تحتاج لبنية تحتية مُكلِفة. كما أنها لعبة تتماشى مع طبيعة التونسي المدفوع طبيعيا الى الاندفاع البدني والمنافسة.
يضاف الى ذلك توفّر عنصرين اثنين يجعلان هذه اللعبة هامّة لبادنا، أولهما نسبة الشباب التي تبلغ ربع السكان(أكثر من 24،5%)، وثانيهما توسّع النسيج العمراني ما يسهّل إمكانية بعث الفرق في المدن المتكاثرة وتنظيم البطولات المحليّة والجهوية، وضمان بروز النّخب وتجددها.
دخلت كرة اليد التونسية مرحلة التراجع والأرتداد منذ أكثر من خمس سنوات. وكان على المسؤولين المشرفين على الجامعة الانتباه والتنبيه الى الخطر و التفكير والبحث في اسباب ومسببات الفشل الملفت الذي مُنيت به نخبتنا الوطنية، كان آخرها على المستوى القاري في سنة 2022 في مصر والتي تبدو قد افتكت الريادة من بلادنا لمدّة طويلة قادمة، وعالميا منذ أيام في السويد حيث تذيّلنا قائمة الترتيب.
ولكن وفي كل مرّة يتجرّع فيها فريقنا كأس الخيبة والهزيمة، وتتعالى اصوات الغضب والاحتجاج، تُقوّسُ جامعة كرة اليد ظهرها وتترك العاصفة تمرّ قبل أن تعود بعد أسابيع قليلة الى روتينيّة إدارة الأشياء المعهودة والاستعداد الى الكارثة المقبلة.
ولكن…هل شأن كرة اليد هو شأن جامعة كرة اليد الخاصّ؟
ألم يكن العلم والنشيد الرسمي اللذان وقف اللاعبون عندهما رمزي البلاد الأهمين ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟
أليست الأموال التي تُصرف على هؤلاء الاعبين والمسؤولين من أموال المجموعة الوطنية؟لم يعد بالوسع التعامل مع وضع كرة اليد في المستوى الوطني بمثل هذه الطريقة في جلسات مغلقة لا يصل منها شيء للرأي العام حتّى تحلّ موعد المنافسات فيتفاجأ عندئذ التونسيون بالنتائج الكارثية ويذوقوا طعم الخيبة والعار.
الجامعة مطالبة بفتح الملف وتشريك أهل الدراية والخبرة، والبحث عن المواهب في كل أنحاء البلاد، وخصوصا، تهيئة الظروف لدوري وطني ومحلّي جيّد.
ولا بدّ، اخيرا، من فتح الأبواب أمام أهل الرأي ووسائل الإعلام والقطع نهائيا مع عقلية المسؤول الواحد والرأي الواحد والقرار الفردي.بهذا يمكننا إعادة المجد لكرة اليد التونسية والنخوة للتونسيين.
