
تذكرت، وأنا أحتفل مع المحتفلين باليوم العالمي للإذاعة، كيف كان يمنع في السابق، وخاصة في العهد البورقيبي وبداية عهد بن علي، إستعمال مذيع أو منشط للغة غير العربية الفصحى وكان العديد من مدققي اللغة وخبرائها مجندين طوال الوقت لوضع العلامات على حروف النصوص المعدة للقراءة، أمثال مصطفى خريف وزين العابدين السنوسي، ثم أحمد العموري وغيرهم من كبار الشعراء والقصاصين واللغويين والمذيعين، أما اللغة الدارجة فكانت لها منابرها الخاصة وتتمثل بالخصوص في حكايات ومسامرات عبد العزيز العروي ثم النشرة الإخبارية اليومية لعبد المجيد بوديدح وتعليقاته على الأحداث.
كانت الإذاعة ثم التلفزة مجندتين لحماية اللغة الأم كذلك صحف ذاك العصر، والتي رفضت في أواخر ستينات القرن الماضي نشر قصص البشير خريف التي تغلب على سردها اللغة العامية، وقصائد شعراء الطليعة للسبب ذاته، ولم تسلم إذاعة تونس الدولية من حملات التنديد بوجودها لأنها ناطقة باللغة الفرنسية في بلد لغته العربية، ولو أن تلك الحملات التي إستهدفتها لم تكن مبررة إطلاقا بآعتبار وجودها كان لفتح نافذة على الآخر وثقافته.تغير اليوم كل شيء وأصبحت إذاعاتنا وتلفزاتنا، العمومية منها والخاصة، مصدر إنتهاك صارخ للغتنا العربية والعبث بقواعدها بل عوضتها بلهجة هجينة تهدد أحد أهم مقومات هويتنا الحضارية وشخصيتنا الوطنية.
أتذكر أنه طوال إنتاجي وتقديمي للعديد من البرامج الإذاعية اليومية والأسبوعية على امتداد أكثر من عشرين سنة ( المفكرة الثقافية، مناهل وينابيع، إيقاعات ثقافية، على صفيح الكلمات، كتاب اليوم، القلم والقرطاس….).
كان الشعار الأساسي هو ” الإذاعة أداة تثقيف نوعية”، وكنا جميعا حريصين شديد الحرص على الإلتزام به لأن في ذاك الإلتزام إيمانا بدور الإذاعة في تأصيل كيان الشعب وتأمين مناعته. كان ذاك زمانا وأصبح آخر !!!
