
كوّنت لجنة للنظر في قطاع النشر، في محاولة لامتصاص غضب الناشرين المرتهنين لدى المطابع لأنّهم إذ يواجهون ارتفاع سعر الورق ثلاث مرّات في سنة واحدة يعوّلون على شراءات إدارة الآداب فيخطئون الحساب.
أحدهم رفضت من إصداراته عشرة عناوين، وزميله ثلاثة من خمسة، وهكذا يجري التقشّف بما لا يشتهي أيّ طرف في علاقة بالكتاب مقابل قطاعات ثقافيّة أخرى تجري من تحتها الأنهار.
والسحب إذا تراجع ارتفع سعر الكتاب بالتوافق العكسي، وكذلك إذا ارتفعت تكاليف المعيشة وتراجع معها شراء الكتاب.
واستثني، بطبيعة الحال، الكتاب المدرسي الموازي للبرامج للضرورة القاهرة بالتوافق مع الدروس الخصوصيّة الشبيهة بعمليّة بيع وشراء لكسب الأعداد وضمان النجاح في انتظار غربال البكالوريا. ومثل ذلك في الجامعة أيضا!
والناشرون مدعوون للمشاركة في معارض الكتاب، سواء منها الوطني في مدينة الثقافة بتونس العاصمة أو الدولي في قصر المعارض بالكرم. وعليهم تحمّل تكاليف النقل والحمل وأجرة الأعوان المساعدين بما يتبع ذلك من إعاشتهم وتنقّلهم.
وزد على ذلك مبلغ تسويغ الأروقة بحساب المتر المربّع.
وبعد كلّ هذا وأمام تقلّص المقدرة الشرائيّة في مجال الكتاب وارتفاع سعره ولو بشكل طبيعيّ ماذا يربح الناشر بل ماذا بقي له لتسديد ديونه وتغطية خدماته وأعوانه القارّين أو الوقتيين؟
لا شيء في كلّ مرّة ما لم يحوّل دار النشر إلى تجارة أخرى مناسبة لمجتمع أكول، هاجسه، وهو معذور، الخبز والزيت والقهوة والحليب، ثمّ اللحم إذا استطاع إليه سبيلا أو سلّما يرتقيه لبلوغ سعره المتزايد سواء أمطرت وأعشبت أو شحّت وأقحلت.ثمّة، والحقّ يقال، مستفيد وحيد، هو وزارة الفرجة والصورة.
تستفيد مادّيا من المساحات المكتراة، ومعنويّا بتسجيل النشاط في قائمة الإنجازات.
ومن يوم تشكيل اللجنة لم يجبني عن انتظاراتي أحد من الناشرين الذين أعرفهم. والجميع ينتظر تمخّض الجلسات ويتساءل عن جدوى التوصيات. والحقيقة أنّها معروفة من قبل لأنّط مشاكل القطاع معروفة من قبل أيضا.
وما اللجنة إلاّ طريقة لربح الوقت تنطبق عليها أمثال المجرّبين مثل “عش بالمنى يا كمّون” و”انتظري يا دجاجة أن يجيئك القمح من باجة”، هكذا في صيغة مهذّبة بين الفصحى والدارجة كشأن الطبعة الجديدة المنقّحة، بما أنّ كلامنا عن الكتاب
.أمّا الكتّاب فحالهم أتعس من سلعتهم، باستثناء المحظوظين بالجوائز والتكريم وبالدعاية والإشهار.
وأسخفهم ذلك الذي تنقّل بكتابه عبر الخريطة التونسيّة دارا دارا وشبرا شبرا، وتلك الجريدة الشعبويّة التي لا أسمّيها وراءه تخبر عن حلّه وترحاله، والله أعلم بما وراء ذلك من الغيب !
أقول هذا بعد أن انتهيت من قراءة “طمارة” وشرعت في قراءة “مدينة النساء”.
سأظلّ أقتني الكتاب وأطالعه وأكتب عنه وأنقده من باب الوفاء مدى الحياة من يوم بدأت الكتابة والنشر.
ذلك لثقتي الكبيرة في الكتاب بأكثر ممّا قال فيه الجاحظ. إنّه سبيل التقدّم وطريق الحرّية وأداة اكتمال الذات.
وسأظلّ أيضا المدافع عن الكتاب والنشر والتوزيع والمطالعة في فضاءات التعليم والثقافة وعبر وسائل الإعلام، والحامي لمكتبتي في بيتي إلى أن يستقرّ رأيي على مصيرها مهما بلغت المضايقات والمناوشات على طريقة “سهرت منه الليالي” بعنوان الأقصوصة الذي عمّم على المجموعة.
وذلك قدر المثقّف وجهاده في بيئة الجهل والرياء.وللأسف دائما، فحتّى هذا المجال الذي أجد فيه متعتي ومعنى لوجودي لم يسلم من أضرار الثورة “المجيدة”.
ولا شيء في الحاضر يبشّر بخير للكتاب في المستقبل، وفي أمّة “اقرأ” التي لا تقرأ. ألسنا جديرين بالرتبة قبل الأخيرة في مؤشّر التأثير الثقافي الذي نشرته الشبكة الأمريكيّة U. S. News and World Report ؟
