
“وحلة المنجل في القلّة”
يُنسب الى الرئيس الراحل بورقيبة استعمال هذه العبارة الشعبيّة الشهيرة الدّالة على حالة المأزق الكبير أو الورطة الشديدة التي يصعب الخروج منها، لتوصيف عملية اجتياح جيوش صدام حسين للأراضي الكويتية في مطلع شهر أوت من سنة 1990.وتتمثل الورطة كما يوحي بها المثل الشعبي في علق المنجل بفم الجرّة، ما يترك سوى واحدا من خيارين إثنين مُمكنين: إمّا كسر المنجل وإمّا تكسير الجرّة.ذات المثل يَصلُح استعماله في خصوص الحرب الروسية-الاكرانية التي يمرّ اليوم على انطلاقها 356 يوما.سنة كاملة من القتل والدّمار والتشريد …
وبعد،
لقد تحوّل ما كان ينتظر يوم 24 فيفري ان يكون مجرّد فسحة عسكرية للجيوش الروسية الى حرب خنادق أسالت انهارا من الدّماء، تسببت في قتل 900 ألف بين أوكرانيين وروس، اغلبهم من الشباب، وفي تهجير الملايين من السكان وابعادهم عن أرضهم وموطنهم.سنة كاملة والحرب متواصلة على أرض أوروبا متخذةً أبعادَ حربٍ عالمية تعيد الذكرى الى المجزرة الكبرى التي أشعلت الكرة الأرضية لمدة ستة سنين كاملة (1939-1945)، ظنّ إثرها الأوروبيون “المتحضّرون” انها لن تكرر على أراضيهم.
والنتيجة؟
-مليارات صُرفت في ما يقتل الناس وكان أولى أن تُصرف في ما يحييهم حياةً افضل عبر مقاومة الفقر والأميّة والأوبئة
.-تعطّل المبادلات الدولية وتراجع التجارة العالمية بما سيزيد من تفقير الشعوب خاصة منها النامية وتعريض دوّلها للاضطرابات الاجتماعية والفوضى وعدم الاستقرار تحت وطأة غلاء المعيشة وندرة الحاجيات الأساسية، لا سيما منها الحبوب.
-انتشار مشاعر الخوف والحيرة وانعدام الثقة عبر بلدان العالم وما ينتج عن ذلك توجّس وريبة في العلاقات وانكماش في التعاملات الاقتصادية والمالية.لكن الأخطر ليست النتائج المحسوسة التي ذكرنا بعضها، وإنما في تلك التي حصلت على المستوى الاقتصادي و السياسي الكليmacro-economique et politique من عودة الحرب الباردة وتقسيم العالم الى جزئين إثنين واحد تتزعمه روسيا، والآخر الولايات المتحدة الأمريكية التي استعادت نفوذها الكامل على أوروبا، مما يعني تشكيل العالم حسب الأنموذج الثنائي ما قبل 1991.
وخلاصة القول أن أمريكيا وأوروبا سوف تواصلان دفع المليارات وتوفير الأسلحة الأكثر حداثة للرئيس الاكراني زيلانسكي حتى لا يخسر الحرب، وأن بوتين لن يقبل بالهزيمة وبلاده تمتلك الترسانة النووية الأكبر في العالم، وأن هذه الحرب التي تُستعمل فيها الأسلحة الأكثر فتكًا بالبشر لا يمكن أن تنتهي لأنها تمثّل مأزقا مستحيلا من نوع”وحلة المنجل في القلّة”.
