
بقلم أحمد الحمروني
كثير من التونسيّين يعودون، على غير عادتهم، باسم الفاعل المذكور في العنوان إلى جذره اللّغوي أي مادّته الثلاثيّة (ق.ع.د) ليفهموه ويستعملوه بمعنى فعل “قعد” ومشتقّاته الأكثر استعمالا، أعني القعود والقعدة.
وهؤلاء المتقاعدون، وأنا منهم ومختلف بحمد الله عنهم، يضيّعون بقيّة العمر في المقهى حيث يطول بهم حديث الذكريات وتجول بهم آخر المستحدثات فإذا هم محلّلون بارعون في السّياسة والرّياضة وأصحاب آراء وحلول قادرون بها على إنقاذ البلاد والعالم، من قضيّة فلسطين إلى علاقة أمريكا بالصّين.
يعترضني أحدهم ممّن أعرفهم أو أصبحت أعرفهم فأسأله عمّا يفعل فيجيب بلا شيء مفتخرا بأنّه لا يفعل شيئا، ولكنّه، وعن حسن نيّة أو سوء تقدير لحالة العجلة التي أبدو أو لا أبدو له عليها، في علاقة بالشؤون الشّخصيّة والعائليّة وبالالتزامات والمواعيد، يستوقفني، حتّى لا أقول يعطّلني، لربع ساعة أو أكثر لينطلق في كلام معتاد عن الوضع العام في البلاد ويتوسّع نحو دول الجوار ثمّ يقفز إلى الماضي ليستعرض فصلا من حياته المهنيّة معتزاّ، مع شيء من التّواضع اللّفظي، بنجاحاته في مجالاته موظّفا أو مسؤولا أو مستشارا.
ولا أجد للتخلّص من هذه الورطة، وفي كنف الاحترام، إلّا أن أترجّاه أن يدوّن سيرته عسى أن يجد فيها القارئ ما يفيد الناس أو يمتعهم على الأقلّ. وللأسف، فأغلب هؤلاء لا يكتبون ولا يقرؤون حتّى الجريدة، وإنّما يتحدّثون ويستمتعون بالهذيان.
وأنا أتحدّث، وأهذي أحيانا، ولكنّي أقرأ وأكتب.
وأنا أيضا في نفس المقهى المحسوب على المتقاعدين من كبار المسؤولين بصدد الكتابة لثقتي في أنّها إحدى أدوات التّغيير، تغيير ما بالنّفوس والعقولثمّ تغيير الواقع نحو الأحسن والأفضل والأنفع، وكذلك لأنّي لا أقدر على أداة أخرى وليست لي أيّ سلطة أو استطاعة لأقدّم شيئا آخر غير الكتابة للعباد والبلاد.
فتلك هي، إذن، وسيلتي الوحيدة للتّعبير عن وطنيّتي والشّعور بوجودي.قلت شيئا كهذا فيما سبق من مقالاتي تحت عنوان “إشراقات” في صحيفة ورقيّة عريقة أو تحت عنوان “إشارات” في جريدة إلكترونيّة حديثة، ولا أجد حرجاً في ثرثرة الخريف.
وهذه العبارة الأخيرة تعود بي إلى سنوات الدّراسة بدار المعلّمين العليا عندما كان يدرّسنا في قسم العربيّة الأستاذ القدير فاروق عمّار الرّواية العربيّة متوقّفا ملياّ على الرّواية المصريّة وعند نجيب محفوظ بالخصوص.
وفي الأثناء كانت تصل إلى أسماعنا أسماء أساتذة من كلّية الآداب مشحونة بالإجادة أو بفوضى الحواس فنتشوّق إلى سماعها بدافع الفضول والرغبة في المقارنة بين نظام الأقسام عندنا ونظام المحاضرات العامّة عندهم.
وشتّان بين أستاذين في نفس الكلّية وفي نفس المستوى التّعليمي، أحدهما متمكّن من مادّته ومحترم للمنهج والآخر حرّ طليق يفتح القوسين ولا يُغلقهما حتّى ولو انتهت السّاعة وارتدى معطفه لمغادرة المدرج في جوّ حماسيّ متبادل بين الباثّ والمتقبّلين.
وكيف لا يكون الجوّ كذلك وقد خرج “أستاذنا” العظيم عن موضوع الدّروس وانتقل بسرعة من تاريخ تونس في النّصف الثاني من القرن التاسع عشر مع خير الدين وابن أبي الضّياف ومحمد الخامس موضوع أطروحته لشهادة الدكتوراه إلى الحاضر المتأزّم بالصّراع بين الحكومة والنّقابة.
والخوض في هذا الموضوع الاعتراضي الخارج عن البرنامج لا يكون إلاّ بالصّوت المتشنّج والضّرب على الطاولة وحماسة عنترة بن شدّاد.
وأين هذه الحالة الهستيريّة من هدوء أستاذ الأدب المقارن في محاضرته عن ابن المقفّع أو من صرامته في أطروحته عن المهمّشين والمكدّين؟
أليس من فضل الله وقدره وحكمته أن أُلحقتُ بمؤسّسة جامعيّة مستقلّة عن الكلّية ومتخصّصة في تخريج الأساتذة في مختلف الموادّ للنّهوض بالتّعليم الثّانوي تبعا لمغادرة المتعاقدين الأجانب؟
أليس يعود الفضل، بعد الله، إلى أساتذتنا المتميّزين بالمنهج والعلم فيما قدرنا عليه من النجاح في المهنة الشّريفة وفيما أملأ به تقاعدي وأنا قاعد للكتابة في هذا الركن المنيع في المقهى من دخان المشيّشين وتشويش المتقاعدين؟
أليس من الواجب، في الختام، الدّعاء بأن يرحم الله علي الشنّوفي ويحفظ محمود طرشونة ويثيب الآخرين في الدّارين؟
