
بقلم عبد الجليل المسعودي
من عمق حكمته البسيطة والعميقة أطلق الشعب التونسي على لاعبته للتنس أنس جابر لقب “وزيرة السعادة”.
الحكمة الشعبيه لا تخطىء.
إذ رغم كل الضغوطات والصعوبات الماديّة والبدنيّة فإن البطلة التونسية استطاعت بانتصاراتها الباهرة أن تجلب لقلوب التونسيين لحظاتٍ رائعةٍ من الفرح والبهجة، و تولّد في نفوسهم الشعور بالاعتزاز والنخوه وهم يرون “بنت بلادهم” تقارع وتصارع و تتفوّق على أعتى منافسيها من بطلات العالم لترفع راية تونس خفّاقه على أعالي أكبر المباريات الدولية.
الفرحه بانتصار أبطالنا الرياضيين في المحافل العالميه أمر طبيعي، لكن نجاحات أنس جابر تكتسي بُعدا خاصا تجعلها فعلا تصنع سعادة شعبٍ بأكمله، حتى وإن لم يكن كلّه من هواة ومتابعي رياضة التنس.
ويعود هذا التميّز لعدّة أسباب: أولها ان البطل هي بطلة فتاة ظهرت على الساحة العالمية لتؤكّدَ أن ليس هناك فرق بين الجنسين في هذه البلاد التي راهن زعمائها وعلى راسهم خالد الذّكر الرئيس بورقية على مبدإ المساواة بين المرأة والرجل في النصّ كما في الممارسة منذ فجر الإستقلال.
ولعلّ تتويج أنس جابر أمس الأحد في مدينة شارلستن الأمريكية بطلةً عالميةً للمرة الرابعة خير تكريم لروح الزعيم في ذكرى رحيله الثالثة والعشرين.
ثاني هذه الأسباب أن البطلة من بلد صغير ونامٍ، في حين أن التنّس الذي كان الى حدود سبعينيات القرن الماضي يُنظر إليه كرياضة أغنياء، يفترض أن يكون أبطاله من بلدان غنيّة ومتطوّرة تتوفّر فيها البُنى التحتية الملائمة والامكانات الماديّة والبشرية، وبالنتيجة، التقاليد والثقافة المرتبطة. وحتى وإن توفّرت بعض شروط البروز لأنس جابر فإن ما حققته في غياب ما يتمتع به غيرها من أبطال بلدان أوروبا أو أمريكيا أو اليابان، يمكن اعتباره من قبيل المعجزة، وهو ما يعطي لتميّزها بعدا إستثنائيا.
السبب الثالث، ولعلّه الأهم، يتمثّل في أن انتصارات أنس جابر تأتي في وقت حساس تمرّ فيه البلاد بظروف على درجة من الصعوبة ما جعل اليأس والشكّ يدبان في جسم المجتمع التونسي، فكانت هذه الانتصارات والتتويجات بمثابة جرعة فرح وتفاؤل وأمل، هوّنت من معاناة التونسيين.
من الاكيد أن في إطلاق لقب “وزيرة السعادة” على البطلة اعتراف بالجميل، لكنه يتضمّن أيضا عدم رضى وربما استياءًا إزاء الحكومة التي تثبت كل يوم عدم قدرتها على تحقيق ما هو مطلوب منها: توفير ما يصنع فرحة التونسي.
ولعلّه يكون من المهمّ، ورئيس الجمهورية قد أعطى إشارة بدء إصلاح التعليم، أن نذكّر أن الرياضة تحتلّ اليوم مكانا يكاد يكون معدوما إن لم يكن تافها، وان الأنشطة الرياضية التي كانت تنتظم في المعاهد وفيما بينها وكانت تفجّر طاقاتٍ و تكشف عن مواهب وتزرع بذور الأبطال، علاوة على انها كانت تملأ الفراغ وتساعد على توقي الإنحراف…، كل تلك الأنشطة اختفت لا نعلم لماذا، ولم يعد لها وجود حقيقي يذكر.
وخلاصة القول إنّ الرياضة لا يمكن ان يكون لها مستقبل خارج المدرسة. هنالك تنمو وتتطور وتتعزز قيمتها وتتنتج أبطالا من بعدهم أبطال يصنعون مجدَ وسعادة شعبهم.
