
يوسف الرّمادي
مع المفكّر محمد الطالبي في رمضان
1-معنى الصيام في رمضان
الصوم هو امتناع- تلقائي ومقنّن -عن كلّ طعام طوال مدّة معيّنة والإنسان هو الكائن الوحيد القادر على القيام بالصيام وقد مارسه على مرّ العصور وأعطى وما زال يعطي للصيام معنى وغاية إذ الصوم ليس مجرّد حرمان من الأكل والشرب مسلّط على الإنسان فالحيوان قادر على ذلك أي على هذا الحرمان بل الصوم هو البُعْد الرابع للإنسان وهو بُعْد روحي خالص وذلك من الوقت الذي يَكُفّ فيه الإنسان عن أن يكون مجرّد حيوان مدفوعا بغرائزه فقط.
فالصوم ضدّ الغريزة و يصنع الإنسان القادر بروحه أن يسيطر على المادة فبالصوم يتعرّف الإنسان على بعده الرابع وبه يتجاوز ويكتشف بعده التجاوزي الذي هو ليس مجرّد مادة أي هذا البعد الذي فيه إضافة فمن المتّفق عليه أنّ الإنسان يختلف عن الحيوان بالذكاء لكن هذا الاختلاف الذي يقتصر على الذكاء يجعل من الإنسان حيوانا ذكيّا أي هو مثل الكمبيوتر الأكثر تطوّرا –وهذا ليس بالقليل وكان يمكن للإنسان أن يكتفّي بهذا البعد ولا شيء يلزمه أن يذهب إلى أبعد منه-وكلّ الذين يرفضون البعد التجاوزي للإنسان الذي كما قال ابن خلدون “(توفّي 1406) : ” الارتقاء إلى أفق أعلى “يقفون عند أفق الذكاء.
وهذا من حقّهم لكن أنا (الطالبي ) لا أتوجّه لهؤلاء بل أتوجّه فقط للمسلم الحائر الذي تعلّمه الشريعة من خلال المئات من الصفحات كيف يصوم وكيف يصلح صيامه عندما لا يحسن الصيام أو عندما لم يصوم أصلا وذلك بأن تفرض عليه” كفّارات” غالبا ما تكون مُفْزِعَة بدون أنّ تُفَسِّر له لماذا يصوم وما هو معنى الصيام.
فالصيام هو تمرين روحي وُجِد منذ أقدم العصور وفي أماكن عديدة من الأرض بدون أن يكون دائما في علاقة بالأديان فاليونان والرومان تناسوا الصيام لذلك لم يكترث بهم “بول ورخّص لهم في عدم الصيام.
و لمعرفة الصيام عبر العصور نرجع ل “المنجد الجامع للمسيحيّة القديمة ” في مدخل ” صيام وامتناع” وإلى موسوعة “أنتركا”في مدخل “صيام ” نجد أنّ الصيام مفروض في الديانات المكسيكيّة وعند ال”أنكا” في” البيرو” وحتّى عند آشريّن والبابلييّن كما نجده في الديانات الآسياويّة مثل الهندوسيّة.
التيوزم.الجايميزم .
وبوديّة التيبت.
الإسلام هو دين العقل والعقل والإيمان ليس بينهما تناقض فنحن نذهب للإيمان بالعقل والقرآن هو دعوة متواصلة للعقل وهذا من خصائصه وهو ما نسميه “الإعجاز”.
فالروحانيّة الإسلاميّة ليست حزينة ومتباكيّة مثل المسيحيّة فهي التعقّل المدفوع إلى أقصى التأمّل في “العَالَمِين” أين نرى الله وهو” يفعل” في كلّ مكان فالروحانيّة الإسلاميّة هي رائعة ومبهرة. الصوم هو قطع مع المرور المعتاد للوقت . فالمسلم الذي يصوم في شهر رمضان يعيش في وقت آخر.
فبالصيام ينتبه الإنسان أنّه ليس مجرّد جسم ولكنّه كذلك روح وبدون فصل بينهما وأنّ بداخله بعض الشيء من نفس إلاهي يقول تعالي في الآية 29 من سورة الحجر”فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” وكذلك في الآية 9 من سورة السجدة :” ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون.
” إضافة إلى سورة “ص”ف الآية 72 حيث يقول تعالى :” فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين “فهو حسب التعبير الجميل ل “كورند لورنز” جعله إنسانا في :” جدول الحياة :”فبالصيام يعيش الإنسان في البعد الجسدي للوقت والذي يقاس بوحدة الوقت الذي يقاس به ال”فعل”.
و كذلك في البعد الروحي للزمن الذي يُنَسِّبُ الوقت.
فإن كانت الصلاة هي معراج يومي متسامي في الزمن الإلاهي وإن كانت الزكاة هي تجسيم في الزمن لتطهير الممتلكات التي منحها الله للإنسان و هي حقّ من حقوق الإنسان فالصوم هو البعد الروحي للزمن وهو ينسّب الوقت ويقدّسه.
فوقتُ المسلم هو في نفس الوقت مدنّس ومقدّس. فهو فعل في العدالة والتضامن الإنساني في الزمن الزائل لهذه الدنيا وتمهيدا للزمن الدائم في الآخرة .
فعبادات المسلمين كلّها بالكامل روحانيات تقدّس الزمن فيوم المسلم الذي يقوم بعباداته لا يشابه أي يوم آخر فهو على إيقاع وقدسيّة الصلاة ففي خمس مرّات في اليوم يغيّر المسلم الوقت فيمرّ من فضاء الوقت المادي إلى فضاء “اللا وقت” للروحانيّة فالصلاة –كما قلناه سابقا-هي معراج أي هي صعود في ال :”لا-وقت” نحو ال “لامحدود” الذي يتجاوز الزمن.
وبالصيام في شهر رمضان مرّة في السنة الشهر التاسع من السنة القمريّة فهو يقطع فعلا منوال الزمن إذ هو يمرّ لزمن عكسي أيْنَ عادة الأكل تقْلُبُ الليل نهار والنهار ليلا طوال شهر رمضان المعظّم المخصّص للصوم فالزمن بالنسبة للمسلم يصير بالخلف فصلاة الليل (التراويح) التي تمارس طوال أسبوعين أو ثلاث الأسابيع الأولى خلال هذا الشهر الذي يُتْلا فيه القرآن بأكمله على أقسام وهذا يصل بالبعد الروحي للزمن إلى ذروته.
فشهر رمضان هو شهر الروحانيات مع بروز القطع التي يدخله الصوم في الوقت وحيث أنّه من المحقّق أنّ الروحانيّة لا تغيب عن أي ثقافة لكنّها تغطّي الواقع المتنوّع لذلك وجب إضافة بعض التدقيقات…
فالصوم هو العبادة الإسلاميّة الأكثر روحانيّة فالصوم بالنسبة للجسد هو مثل ما للزكاة بالنسبة للمكاسب.
فهو غداء الروح عندما يكون هنالك نقص في الطعام العضوي الذي يغذّي الجسم وتكون الحاجة أكثر لاستدعاء الغداء الذي يغدّي الروح وهذا من شأنه أن يرجع التوازن بين الجسد والروح.
وهذا ما يجعل الإنسان –كما خلقه الله –ليس منحرفا فعند الإنسان الجسم والروح مرتبطان ولا وجود لأحدهما بدون الآخر.
لكن أحدهما وهو الجسم يمكنه التواجد بدون الآخر أي الروح.
وهذا موجود بكثرة ولا يحطّ من قيمة الإنسان فأنا هنا أتحدّث عن الإنسان المسلم فالإنسان المسلم له بعدان فالصوم ضروري لجسمه فهو يطهّر جسمه مثلما تطهّر الزكاة ممتلكاته والجسم المطهّر بالصيام بدون (تعذيب ولا تمويت مثلما تفعل المسيحيّة )يتفتّح أكثر على الروح فليس هنالك روحانيّة بالمعنى الذي نحدّده لهذا اللفظ بدون عبادة .فالمسلم الذي يقوم بالعبادات أين يقوم الصوم بدور المطهّر لما يتراكم في الجسم.
ففي العبادة وبالعبادة يعيش بقوّة إيمانه قريبا من الصمد (البقرة الآية112)وهذه هي الروحانيّة فهي الحياة في سيّد الأكوان الدائم (البقرة الآية 112.
و ذكرت 73 مرّة في القرآن). لنؤكّد أنّ هذا موجود بدون شكّ في القرآن منذ 14قرن فماذا كنّا نعرف وقتها عن الفضاء ؟ فالعلوم المتقدّم جدّا في ذلك الزمن تحصر العالم في كوكب الأرض و تجعل الشمس وبعض الكواكب التي يعرفونها تدور حولها.
وكان وقتها القرآن يتحدّث على ما لم يقع اكتشافه إلّا منذ بضعة سنوات.
وهذا بالنسبة لنا المسلمين له علاقة بالإعجاز العلمي القرآني وهذا غير موجود في أي كتابات مقدّسة للإنسانيّة إذن بالنسبة للعبادة وللصوم الذي هو تطهير للجسم فالإنسان المسلم يعيش بروحه في قرب وانتباه من سيّد الأكوان وهذا ما نسمّيه روحانيّة التي يرتفع بها صيام شهر رمضان إلى القمّة والتتويج لكن ليس كلّ الناس قادرين على الارتفاع لهذا المستوى لكلّ إنسان خياراته ونحن لا نملك إلّا احترام هذه الخيارات.
مرجعنا هو القرآن الذي هو بالنسبة لنا –المسلمين – هو كلام الله حرفياّ وصل إلينا كما نزل بدون أي زيادة ولا نقصان وهذا بالنسبة لنا حقيقة عقليّة وروحيّة فهذا واضح وجليّ رغم أنّه لا يرتاح له كثير من الناس وأنا(الطالبي) أعرف هذا وعلى كلّ مسلم أن يعرفه. فبالنسبة” لليهو –نصرانيّة ” القرآن نسخة سيّئة من الكتاب المقدّس وهو خليط من مكوّنات “اليهو-مسيحيّة” وقع تلْفِيقها من “المنبوذ محمّد” وهذه نظريّة معتادة جاءت في كتابات كلّ الكتّاب المسيحييّن في القرون الوسطى ف “محمّد” الذي يُذكّرنا اليوم قداسة القديس بونوا السادس عشر” أنّه لم يأت للعالم إلّا بالأشياء السيّئة والغير إنسانيّة” هذه هي الحقيقة بالنسبة لإخوتنا اليهود والنصرانييّن وهذه “الحقيقة” هي ضمنيّا التي تغذّي الرسوم الكاريكاتوريّة وما سيتبعها هذا هو الفكر الغربي الذي صنعته العلوم “اليهو-نصرانيّة الشرقيّة” التي تبقى بعد قرون مغلقة بالكامل ونحن لا نخادع أنفسنا لذلك فلا نتوجّه لهذا التفكير ولا نفكّر في تغيّره فحقد النصرانيّة بالكامل على الثقافة الإسلاميّة لا يمكن تغيّره ولا زحزحته…يتبع…..
