
يوسف الرّمادي
بالطبع كلّ الناس يعرفونه الوقت فهنالك وقت للأكل ووقت للشرب وهنالك الذين يأكلون ويشربون في كلّ الوقت هنالك وقت للجميع وكلّ شيء له وقته هنالك من لهم كثير من الوقت لذلك فهم “يَقْتُلون” الوقت و يصابون بالملل ولا يتحرّكون وهنالك من يُعْوِزهم الوقت لذلك فهم يجرون وراء الوقت لأنّ الوقت كما يقول المثل الأنقليزي “الوقت هو المال” وفي كلّ الأزمنة كلّ شيء يصير عملة و يحوّل إلى مال هذا هو الوقت.
فعلا فانعكاس الوقت هو معرفة وهو حدس شديد التعقيد ومن الممكن أن لا أحد يعرف الوقت إذ لكلّ واحد مفهومه للوقت فمنذ “أينشتاين” نعرف أنّ الوقت الفيزيائي ليس له معنى.
لكن الوقت الغير موجّه بسهم هل هو وقت ؟
أم هو البعد الرابع الذي ليس لنا الحدس لمعرفته لذلك فهو يفلتُ تماما عن حواسنا وبذلك تكون خلايانا العصبيّة مجرّد مترجم له فتكون مثل بعض الأصوات الذي يسمعها الحيوان ويفسّرها والتي لا نسمعها نحن بكلّ معاني فعل “سمع” نحن نعْرف كيف نقيس تقريبا في كلّ الحالات مدّة الحركة لكن لا نعرف بكامل اليقين علمي ما هو الوقت .
ف”أنشتاين” يجزم قائلا :” بالنسبة لنا الفيزيائييّن التفريق بين الماضي والحاضر والمستقبل ما هو إلّا وهْم ” إذن ليس هنالك وقت في حدّ ذاته فالوقت غير موجود وأضيف (الطالبي) أنّه بالنسبة لنا المسلمين الله” يبدئ ويعيد” الخَلَقَ ونجد ذلك في القرآن في”: سورة يونس الآية 4 والآية34 – سورة النمل الآية 64 سورة الروم الآية 11و الآية27 سورة العنكبوت الآية 19 وسورة البروج الآية 13″ ومن الطبيعي في هذا الإطار أن يكون مفهوم الوقت مُنَسَّبا ف”يبدئ” يعني البداية من جديد كما يعني الرجوع إلى الوراء وفي نفس المكان, فانعكاس الوقت يتجاوز فهمنا لكن في الفضاء القرآني أين يتواجد الكَوْنُ بقوّة ويتجدّد باستمرار فهذا لا يصدمنا لأنّه بالنسبة لنا -نحن المسلمين-يرجع للصبغة الإعجازيّة للقرآن وبالنسبة لبعض علماء الفيزياء في عصرنا ” الوقت” لا يَمُرّ لكن وَهْم السهم الزمني الذي يخلق فينا ب تطبِيق “عدم الرجوع” الإحصائيّ على هذه الأشياء المجهريّة والتي ما هي إلّا أدمغتنا”.
هذا موضوع قابل للمتابعة …
فالوقت له كثير من الأسرار وستُكْشَف لنا بمرور الزمن والآن علينا أن نكتفي بأن نعرف أنّ الوقت حركة وبالنسبة لنا هو الطاقة الخلّاقة ل”كُنْ “عندما تقاس بالوحدة المتّفق عليها للزمن فالوقت الذي يمرّ بدون أن ننتبه إليه يَجْعَل صيامنا له معنى.
مفهوم شهر رمضان في الزمن : ما ذكرناه سابقا هو ضروري لما سنقوله لاحقا وما سيتبع و ليس خروج عن الموضوع بل هو سيسمح لنا بفهم صيام شهر رمضان الذي هو غير مفهوم في كلّ معانيه.
فإن ليس للصيام مكانا في الوقت فالصيام ليس” تعذيبا للجسم” لمعاقبته من أجل الخطيئة الخياليّة وجعله يتألّم مثلما تألّم المسيح على الصليب الذي سلّمه أبوه لغضب الرجال. فالصوم ليس “تَمْوِيتا للنفس فالله لا يقول لنا مثلما يقول الإنجيل “اليهو-نصراني” ” عليكم بتعذيب أنفسكم ” فالصوم ليس عُنْف نسلّطه على أجسامنا مثلما هو موجود في المسيحيّة وهي بدعة يهوديّة نجحت عبقريّة “بول” الذي كان يتألّم من لسعة أصابته و لم يستطع التخلّص منها رغم ما بذله من جهد وقال أنّها أتته من الشيطان.
ولنتمكّن من معرفة كلّ معاني صيام شهر رمضان يجب أن نضعه في الزمن لكن الزمن –مثلما رأينا سابقا- ليس سهل إلى هذه الدرجة فكلّ الناس يعرفون الزمن ولا أحد يعرفه لكن ّ الله الذي هو الزمن -وسنرى ذلك لاحقا-كما لا يمكن أن نمسك بالوقت لأنّه حركة فهو الفعل الخلّاق باستمرار في حركة خلّاقة هي”كُنْ” والذي ليس كما يدّعيه الإنجيل العصا السحريّة للساحر الذي يخرج العصفور من القبّعة وعندما يخرج العصفور يكون الحيلة قد انطلت وينتهي الأمر فال”كُنْ” هو فعل الخَالِق والخَالِقِ باستمرار في حركة في الزمن اللامتناهي.
والذي ليس له لا بداية ولا نهاية فالزمن اللامتناهي هو خَلْق متواصل ولا ينتهي ضمن الله الغير متناهي.
والذي من أجل هذا هو في مستوى الخَلْق وإعادة الخَلْقِ ب”كُنْ” الله “يبدئ ويعيد” أنّه بالنسبة له ضمن الأمر للمَخْلُوق ليُخْلَق مدفوعا بوضوح ب”كُنْ” لذلك فليس هنالك قطعا لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل مثلما شعر بذلك “أنشتان” فالله بحدس عبقري كبير يصف لنا علاقة المخلوق بالأمر “كن” يقول لنا في سورة النحل الآية 40 :” إنّما قولنا لشيء إذا أرددناه أن نقول له كن فيكون” وكذلك في سورة مريم الآية 35 إذ يقول :” ما كان لله أن يتّخذ من ولد –سبحانه-إذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون” وكذلك قوله في الآية 68 من سورة غافر إذ يقول :”هو الذي يحي ويُميت فإذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون ” ف”كُنْ” هو المحرّك العَمَلي للخَلْقِ في حركة الخَلْقْ الغير منتهية والتي نسميها تجاوزا “الوقت” فالله في النهاية يُعَرَّفُ كخَلّاق (الآية81 من سورة يس والآية والآية86 من سورة الحجر) وخلّاق هو صيغة مبالغة للفعل خَلَقَ( ذُكِرَ أكثر من 160 في القرآن) ولا نجد ذلك في أي كتاب مقدّس آخر “و كخَالِق بدون انقطاع تكون “كُنْ” إذن لا تنفصل ولا تنقطع عن الحركة.
فالوقت هو “كُنْ” فهو الحركة على الدوام والمؤبّدة بدون بداية ولا نهاية لأنّ الله هو” الصمد” الذي لا نهاية له والمنيع والخالق . ف”كُنْ” عند الله ليستْ داخل ولا خارج ما نسميه ببساطة ومن وجهه نظر حسيّة” الوقت” لأنّه عند ذلك نخلط “كُنْ” الحركة التي هي بلا انقطاع ولا تجاوز مع انسيابها المتواصل من النبع إلى المصبّ.
وبالطبع فأنا لا أقول أنّ شهر رمضان يجعل من كلّ مسلم “أنشتايين” هذا غير مقبول لكن المسلم الذي يصوم شهر رمضان يشعر بحواسه الخمس أنّ الوقت الذي يمرّ في شهر رمضان هو مغاير لوقت بقيّة السنة فالصوم يعني الامتناع في معناه الواسع.
فهنالك صوم عن الكلام وهو نوع من العبادة وقد باشرته لمدّة يوم مريم ( سورة مريم الآية26 ) بعد ميلاد المسيح النبي –وبالمناسبة- علينا أن لا نخلط بينها وبين أمّ” ربّ” المسيحيّة الذي هو إعادة وثنيّة لل”إلاهة” الأمّ للوثنيّة.
(الطالبي له دراسة هامة حول الخلط بن المسيح بن مريم النبي وبين المسمّى المسيح وهو شخص آخر وهو الذي صلبه الرومان) وكذلك صوم “زكريّا” الذي كان تحقيقا لرغبته(سورة مريم الآيتان 10و11 )لكن صيام رمضان هو امتناع طوال هذا الشهر عن رغبة الجسم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وبالنسبة للمسلم- الذي يصوم رمضان في نظام بيولوجي وعضوي لجسمه وفي تنظيم حياته و تبعا لذلك النهار يصير ليلا والليل يصير نهار فهو يتحمّل هذا الواقع حتّى إن لم يكن واع تمام الوعيّ بذلك فهو نوع من انعكاس للوقت الذي يشعر به طوال هذا الشهر فكلّ مسلم يشعر وحتى إن لم يجد لذلك تفسيرا أنّ وقتَ رمضان ليس نفس وقت بقيّة السنة إذ يشعرُ عضويّا ونفسيّا أنّ مع بداية الصوم يدخل في وقت جديد الذي يستعدّ له ب”نيّة” فالصوم التي بدونها لا يكون صوما صحيحا والتي تُعلن الدخول بالكامل في وقت الصوم.
وهنالك مقولة شعبيّة تقول “رمضان له رائحة ” ولا ندركها إلّا بالحاسة السادسة ويشعر الصائم بوضوح أنّ نسق حياته لم يعد كما كان قبل الصيام وله شعور واضح أنّ برؤية هلال القمر فعلا التي أعلنتْ مساء أمس دخول شهر رمضان المعظّم فهنالك نوع من القطع يظهر له قياسا بما قبل رمضان.
وأنّه يدخل في بُعْد جديد للوقت والذي لم يعد يقاس بنفس المقايّس .
كذلك مع نهاية الصوم هنالك نفس الشعور بقطع جديد وهو كذلك نتيجة رؤية هلال القمر الجديد والذي يرجعه للوقت القديم فيكون له إحساس مادي شديد أنّه يعيش وقتين ما هو قبل الصوم وما هو بعد الصوم وبذلك فهو يغيّرالوقت . وبصفة عامة كلّ مسلم يمرّ بتجربة انعكاس الوقت.
في العربيّة هنالك كثير من الألفاظ للتعبير على الوقت و هي حسب نسبة ذكرها في القرآن كما يل “يوم349 مرّة “-“ليلة 92 مرّة”- أجل55مرّة”- ساعة 46 مرّة “-حين 33 مرّة “- سنة 19مرّة “- شهر 19مرّة”- وَقْت 12مرّة”- “عام9مرّات “-دهر مرّتين”- لكن الكلمة الأكثر استعمال وهي” زمان” لا توجد في القرآن .
ففي شهر رمضان المسلم يعيش أقرب ما يكون من الزمن الإلاهي أمّا الوقت العادي الذي ندنّسه ولا نحافظ عليه فهو نسبي بالنسبة له(المسلم الصائم) لذلك فهو يأخذ مسافة من هذا الوقت ويفرّق بين الأشياء وعندها نجده يقوم بالصوم في أحسن الحالات التي هو قادر عليها وفي حدود إمكانياته( لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها).
صيام ليس هو نظام للأكل للمحافظة على الرشاقة لأنّ الصوم هو زكاة الجسم فهو تزكيّة مثلما نزكّي على الممتلكات.
