
بقلم عبد الجليل المسعودي
لم يمثّل إيقاف رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أمس مفاجأة في حدّ ذاته. فكثير هم الملاحظون والمتابعون للشأن السياسي التونسي الذين كانوا ينتظرون أن يتمّ هذا الإيقاف.
لأن منطق الأحداث التي سارت عليها البلاد منذ 25 جويلية 2021 وما تلتها من تطورات تمثّلت في تعيين حكومة جديدة وإعلان دستور وانتخاب مجلس نواب، ثم ومن الكشف، في فيفري الماضي، عن مؤامرة لتغيير هيئة الحكم وإيقاف من أعتبروا متورطين فيها من ضمنهم وجوه نهضاوية بارزة، كل ذلك كان يوحي بأن الوصول الى رئيس النهضة راشد الغنوشي، لم يكن الاّ مسألة وقت، سيما وانّه لم ينفكّ يصعّد من مواقفه الرافضة للنظام القائم ولرئيسه واصفا ايّاه بالانقلابي، وهو الموقف الذي كرره منذ يومين وأضاف عليه هذه المرّة ما أُعتبر تحريضا على العنف بتصرّحيه أن إقصاء النهضة أو الإسلام السياسي أو اليسار أو أي طرف سياسي آخر يمكن ان يؤدي الي حرب أهليّة، وقد يكون ذلك التصريح السبب الذي أدى الى توقيفه وعدد من قياديي النهضة.
راشد الغنوشي ليس مبتدئًا في السياسة حتى يكون تصريحه عفويّا وغير مقصود.
كما أنه لا يجهل رغبة السلطة الحالية في تحييده وما يتوفّر لها من وسائل قانونيّة في ذلك لعل أهمها المرسوم 54. من هذا المنطلق يُكون السؤال: هل أراد راشد الغنوشي أن يتمّ ايقافه وسعى فيه بنفسه؟ رئيس النهضة كان يدرك خطورة الوضع الذي أصبح يعيشه حزبه بعد اعتقال عدد من قيادييه من الصف الأول وما أصبح يعيشه من حصار إعلامي سبب لتنظيمه تآكلا وضعفا واضحين.
كما انه كان يعلم أن القضايا العديدة المرفوعة ضدّه، إن لم تكن ستؤدي الي إيقافه وهو الاحتمال الأقرب، فإنها سوف تنتهي بإرهاقه سياسيا ومن تهميشه.
لذا يبدو تصريحه بمثابة الإثارة الموجّة السلطة حتى تقوم بإيقافه لأن الإيقاف سيكون في النهاية في صالحه وفي كل الحالات أقل خطورة عليه وعلى النهضة من وضع “اللاّحرب واللاّسلم” الذي وُضعا فيه منذ 25 جويلي2021.
وإذا ما سلّمنا بهذا الرأي فإن راشد الغنوشي يكون بتصريحه الذي أوقف من أجله قد نصب فخّا للسلطة واستدرجها الى مربّع مواجهة يكون في النهاية هو الرابح فيها.
والسؤال عندئذ يصبح:ماذا سيربح راشد الغنوشي من اعتقاله؟
أولا، سيعود الى مركز الاهتمام الإعلامي-وهذا ما بدأ يحدث-داخليا وخصوصا خارجيا، ما سيمكّنه من تلميع صورته بعد ان عرف اهتراءًا حقيقيا بتحمّله مسؤولية رئاسة مجلس النواب.
ثانيا، سيجتذب التعاطف كشخص باعتبار عمره ووضعه الصحي، وشخصية سياسية، سواء جهويا حيث يتمدد الإسلام السياسي، ودوّليا حيث يتمتع إسلاميو تونس بصورة أيجابية في الدول الغربية اكتسبوها من خلال قبولهم قواعد اللعبة اليموقراطية-على الأقل ظاهريا- في العشرية الماضية.
ثالثا سيستعيد مكانته كالمعارض السياسي الأول للنظام القائم مثلما كان شأنه تحت نظام بن علي الذي دعّم رغما عنه شرعيته وشرعية حزبه عبر التعامل الأمني بالأساس.
رابعا، ومثلما كان الشأن بعد 25 جويلية حين استرجع حزب النهضة وحدته بعد ان كان مهددا بالانقسام وبعدم القدرة على حل مشكلة الخلافة وتنظيم مؤتمره، فإن اعتقال راشد الغنوشي بما يمثّله من رمزية لقواعد الإسلاميين، قد يعطي دفعا جديدا للحركة ويساعدها على تجاز صعوباتها ويقوّي شرعيتها من جديد.واعتمادا على ما سبق فإنه يمكن القول إن راشد الغنوشي يجد اليوم نفسه في وضع أفضل من الذي سبق اعتقاله، وإن إيقافه في المحصلة سيمكنه ويمكّن حزبه من استعادة الدور الذي يحسنانه لعبه كما لا يحسنون أي طرف سياسي آخر: إنه دور الضحية. أما السلطة فإنها ستكون تحت ضغط خارجي لن يتوقّف ما لم تجد مخرجا لما قد يتحوّل سريعا الى مأزق حقيقي.
