
بقلم أحمد الحمروني
أيّة جلسة أمتع من جلستي في مقهى أنيق مع رفيق صديق هو في الوقت نفسه طبيب حكيم وأديب عليم بشكل يختلف عن سائر الأطبّاء وعامّة الأدباء؟
وحكمته شاملة للجسم والروح، وأدبه جامع بين الشعر والنثر.
ومن دماثة أخلاقه أنّه لا يحسب الوقت إذا طوّل الحديث مع مريضه أو الجلسة مع جليسه عكس الآخرين الذين يعدّون الدقائق بحسّابة سيّارة الأجرة كأنّهم يخشون أن يسرق مرضاهم سرّ المهنة.
هؤلاء هم الذين لا يشبعون من جمع المال، وقد لا يبقى لهم وقت للتمتّع به.
والطبيب النفساني أقدر منّي على تشخيص حالاتهم، إلاّ من لطف به خالقه فأودع في قلبه، التعفّف بدل اللّهفة، والقناعة عوض الجشع.
ومن قناعة صديقي الطبيب الأديب أنّ هاتفه المحمول مفتوح على الدوام لكلّ سائل من مرضاه وذويهم وغيرهم فيما يشبه العيادة المجّانيّة، لا يكسب منها أكثر من الشكر على النصح والرحمة على الوالد الذي أدّبه فأحسن تأديبه في كنف القيم الأصيلة الشاملة للأخلاق والفنّ والجمال كما جاء في القرآن وأوصت به الأديان.
وصديقي إنسان قبل أن يكون طبيبا. ومن إنسانيّته أنّه يصغي لمريضه ويشاطره إحساسه ويبعث فيه الثقة في النفس والأمل في الشفاء.
ونصف العلاج قبل الدواء هو كلامه المؤنس الممتع اللّطيف المفيد. وأحاديثنا ثريّة بالفكاهة من الواقع ومن الذكريات.
ومن أطرف ما فيها أخبار الصداقة التي جمعت بين والدينا فورثناها عنهما، رحمهما الله وبرّد ثراهما متقاربين في مقبرة بلدتي الطيّبة، الأشبه بمتحف التراث الموريسكي.
وبيني وبين صديقي تجاه ذلك التراث المتميّز مشروع أو برنامج طويل النفس، أنا أخدمه كمؤرّخ موثّق، وهو يحييه كروائيّ وشاعر.
وكما في رصيدي مجموعة مؤلّفات ففي رصيده هو أيضا عدّة إبداعات.
وهكذا نتكامل دون أن يستنسخ أحدنا صاحبه. والقارئ هو المستفيد منّي في التاريخ، والمستمتع من صاحبي في الأدب.
فما أجملها صداقة صافية خالصة لوجه الله، لا يشوبها طمع، ولا تعكّرها أنانيّة.
والكلمة الطيّبة يسمعها مريض من طبيب، ومهموم من مطرب، ومبكّر من عابر، تحيي النفس وتنعش الروح ويُجزى عليها كأيّ فعل خير.
ومثلها عند الله “كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها …(25) (إبراهيم).
والكلم الطيّب يصعد إلى الله “والعمل الصالح يرفعه …” (فاطر: 10). والمسيح عيسى بن مريم كلمة من الله (آل عمران: 45).
وخير الكلام كلام الله، وبعده كلام ملائكته ورسله، ويليه كلام المتأدّبين من عباده.
وديوان أمثالنا الشعبيّة زاخر بتثمين الكلام الحسن الصادق الذي منه كلمة تخرج من مخرج الروح. والأدعية والابتهالات والصلوات كلمات طيّبات مخلصات، وحتّى التجارة هي أيضا كلمة ناطقة بالوعد الصادق.
وإذا تأزّمت القيم في قوم زالت الكلمة الطيّبة وشاعت الكلمة الخبيثة.
ومثلها “كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار” (إبراهيم: 26).
وخبثها يعمي القلوب والأبصار إذا تفشّت كالنار في الهشيم على ألسنة الجميع في جلّ الأمكنة حتّى يسمعها المصلّي في باحة المسجد ومحيط الجامع مثلما يسمعها الساكن من جاره، والعامل من عرفه، والحريف من البائع، والمواطن من عون الاستقبال، والمدير من وليّ التلميذ، وطبيب الاستعجالي من أهل المصاب، دون الطيّبين في كلّ مكان.
وبعض نجوم الأحياء يتغنّون بها في كنف أزمة الذوق العام وحيث لا قانون ولا احترام.
والتلوّث السمعيّ لا يقلّ خطورة وضررا عن أكداس النفايات وفساد العقليّات، بل هو ساعد الأيدي القذرة والقلوب المريضة التي يحتار في علاجها صديقي الطبيب الأديب إلاّ من هدى ربّي فتاب واستقام. وصدق أحمد شوقي (1870 – 1932 م) في قوله: (الكامل)
الأمّ مدرسة إذا أعددتَها
* أعددتَ شعبا طيّب الأعراق
