
بقلم عبد الجليل المسعودي
لم تخطئ نساء الكاف حين أعطين اسم “للاّ الكافية” لمجموعة الإنشاد التي اسستنها منذ حوالي سنة والتي كانت إحدى اللحظات الفنية الكبرى خلال السهرات الرمضانية بالعاصمة، وتحديدا ليلة 14 أفريل بنهج الداي، مقر المعهد الرشيدي.
ففي هذه الكلمة، كلمة “للّا، العربية الأصل، التي هي تأنيث لكلمة “آل” المنتشرة اليوم في بلدان الخليج، والتي تبنّتها القبائل البربرية إثر الفتوحات، وأبقت على استعمالها بصغة التأنيث في بلدان المغرب العربي الوسيط( تونس الجزائر وخصوصا المغرب حيث تشكّل عبارة “للاّ” عنوان نبالة تنفرد به نساء البلاط وأميراته)، تعبير عن ارادة طموح وتحدّ ورغبة في فرض الوجود والاحترام.

وللحقيقة فإن المرأة الكافية والشمال-غربية بصفة عامّة، كانت دائما في المقدّمة في زمن الوفرة وفي زمن الشدّة على حدّ سواء، تعطي المثل في التفاني والتضحية وتفرض احترامها.
كما كانت تاريخيا همزة وصل بين النخبة الحاكمة الحضرية والقبائل المستقرة في القرى والمدن بين واديي ملاّق وسرّاط، وخصوصا منها مدينة الكاف، مع ما ترتّب عن ذلك من ترقّ اجتماعي لعديد العائلات الكافية واعتماد تقاليد ثقافية واجتماعية جديدة.
الى هذا يضاف ان مدينة الكاف كانت النقطة البارزة في منطقة ما كان يسمى ب”بلاد فريقه” ضمن حركية الانتجاع transhumance التي كان يمارسها “الهطّاية” من قبائل الوسط والجنوب الشرقيين المتتبّعين لمساقط الغيث والباحثين عن المراعي لمواشيهم صيفا وشتاءً، من فراشيش وهمامّة وبني يزيد وبني سيدي عبيد وغيرها من العروش التي كانت تترك في حِلّها وتِرحالها آثارا غنائية كان يلتقطها أهالي المنطقة ويُثرون بها مدوّنتهم الموسيقية والإنشادية.

والحقيقة كذلك، انه كانت دوما في” برّ الكاف”، وبحكم خصوصيات تاريخية واقتصادية وسوسيولوجية، أذن واعيّة بقيمة الإنشاد والغناء بصنفيه الإثنين”الجدّي” ذي البعد التصوّفي، و”الشّعبي”(أو “الأخضر” عند البعض) ذي التعبير الغزلي، وكانت المرأة هي المؤتمنة ضمنيا على استمرار هذا التراث ومواصلته في المناسبات العائلية والخاصة وتلقينه للأجيال الناشئة.
جيل كامل مضى اليوم عن أولى مبادرات إحياء التراث الغنائي والإنشادي الكافي والتي حملها مسؤولون ثقافيون وفنانون موهوبون أمثال الحبيب العوادي المدير الجهوي الأسبق للشؤون الثقافية، وكل من بلقاسم الحمروني ومحمد العربي القلمامي وشقيقه عبد الحفيظ ومنذر الجبابلي-رحمهم الله- وسعاد محاسن التي نفضت الغبار عن جزء كبير من ذلك التراث وأخرجته للعلن، ومليكة الهاشمي، وعبد الرحمان الشيخاوي.
في هذا الامتداد لعملية التنشيط وإعادة الاحياء يتنزّل ميلاد مجموعة “للاّ الكافية”، مع اختلاف هام عمّا سبق في السبعينات والثمانينات، وهو أن المرأة الكافية لم تعد في حاجة الى موافقة الرجل، وأنها قادرة على التكفل بانشغالاتها الفنيّة والأخذ بزمام أمورها بنفسها.
ومن هذا المنطلق فإن تاسيس هذه المجموعة بمجهود نسائي يُعدّ شاهدا على التطوّر الكبير للمجتمع الكافي ولمكانة الدور الذي أصبحت تلعبه فيه المرأة، وهو معطى ستكون له مستقبلا تأثيرات ايجابية على الجهة ثقافيا واجتماعيا، سيما اذا اعتبرنا أن الإنشاد داخل المجموعات، وهو للأسف نمط لم يعرف في بلادنا تطوّرا رغم تقاليد الطرق والمشايخ الضاربة في القِدم، يعطي شعورا فريدا بالحرية، ويتيح إحساسا بالاستمتاع والانطلاق، ويوفّر فرصا للتضامن والانفتاح، زيادة-وهذا أهمّ- على انه يدخل البهجة في المدينة وينمّي الذوق ويحفظ الذاكرة.
غير أنه، وككل مشروع فني في بداياته، فإن مجموعة “للاّ الكافية”، ورغم نجاحها الجماهيري المبكّر، فهي في حاجة الى توضيح رؤيتها الفنية لبناء مشروعها على أسس ثابتة تضمن لها التطوّر والتواصل.
من ذلك انها تحتاج إلى اختيار التوجّه الواضح نحو إحياء التراث الكافي، والشمال غربي عموما، والذي لم ينفكّ يعاني من الإهمال والتهميش، والإبتعاد عن حفلات “الخليط” مثل التي قُدمت في دار الرشيدية والتي قفزت من نوع غنائي الى آخر، من المألوف الى السلامية ، إلى الفريقي، ومن الحسين والمزموم، الى الرّست والحجاز دون ربط ولا تدرّج، ولكن بهدف إرضاء الجمهور الحاضر.
كما أن المجموعة مطالبة بالنظر في مسألة التنسيق والترتيب بين أصوات عناصر المجموعة لضمان تناغم أكبر وانسجام في الأداء، وكذلك الحسم في علاقة المنشدات باالآلات الموسيقية، فقد يكون من الأفضل لو تعتمد المجموعة الإنشاد دون مرافقة a capella، وهو ما سوف يحقق لها تفرّدا على الساحة الوطنية ويجعل منها انموذجا ومرجعا.
ولكن، ومهما كانت الملاحاظات والمآخذ، فإن “للاّ الكافية” مكسب هام ينضاف الى المؤسسات الثقافية بالكاف، يتوجّب على السلط في الجهة العناية به ودعمه ومد المساعده له حتى يتحوّل إلى منارة فنية.وما من شك في أن لزميلات هندة ثليجان الحقّ في ان تفتخرن بعد ان أكّدن انهن كلّهن “للات”.
