
بقلم الحبيب المستوري
بدأت الاثنين 23 اكتوبر عمليات تقديم الترشحات لانتخابات المجالس المحلية الى غاية 1 نوفمبر المقبل.
وأعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن اتمام استعداداتها لخوض هذه الانتخابات، وأن كل شيء على ما يرام: تنصيب فرق ومقرات الهيئة واختيار مكاتب الاقتراع وتحيين القوائم وحسم كل الاجراءات اللوجستية وضبط المراحل التي يمر بها المرشح حتى موعد الاقتراع واعلان النتائج وما بعد ذلك.
دائما حسب هيئة الانتخابات، ستكون الترشحات قياسية هذه المرة مما سيزيد في عدد المقترعين مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة.
ليست المرة الاولى التي نسمع فيها تصريحات هيئة بوعسكر في بداية كل انتخابات عن استعداداتها ثم نصطدم بالنتائج غير المنتظرة نتيجة نقص الحملات التفسيرية والترويجية وغياب التأطير والتكوين بالنسبة للقائمين على تنفيذ الأجندة الانتخابية بنتائج متواضعة فيما يخص الاقبال ونتيجة التصويت وعزوف الناخبين.
الغريب أن هيئة الانتخابات لا تنظر الى هذا العزوف كعامل سلبي يجب تداركه بل بالعكس تعمل الهيئة على تفسيره كردة فعل شعبية على الاداء السياسي وهي غير مسؤولة على نتيجة التصويت لانها تنفذ القانون الانتخابي الذي هو بيد السلطة التنفيذية وهلم مجر.
في الانتخابات التشريعية الاخيرة 2022 تقدمت الدوائر بالخارج وعددها 10 بثلاثة ترشحات فقط، 2 في فرنسا وواحد بايطاليا بدون منافسين، ونتيجة التصويت كانت كارثية بأتم معنى الكلمة، عزوف شامل لم يتعدى حصول النواب الثلاثة على 2000 صوت من جملة 200 الف ناخب على الاقل موزعين بين ايطاليا وفرنسا فقط.
ولا يعرف حتى هذه الساعة متى سيتم اجراء انتخابات جزئية لسد الشغور في مجلس النواب في الدوائر السبع المتبقية.
حسب مخرجات الدستور يتم احتكار هيئة الانتخابات للعملية الانتخابية برمتها بالداخل والخارج وتساهم في داخل البلاد السلط المحلية والمجتمع المدني ووزارات بعينها بالمساعدات الآلية واللوجستية والفنية والامنية والرقابية.
أما بالخارج فلا مفر من الاستعانة بالسفارات والقنصليات لانجاح أي انتخابات فهي التي تستضيف مقراتها الهيئات الفرعية للانتخابات والتزامها بالحياد وعن طريقها تختار المكاتب لمعرفتها للواقع الميداني وتمركز المهاجرين التونسيين في مناطقها الترابية، بالاضافة الى امكانية الاتصال بافراد الجالية واعلامهم بوجوب التسجيل او التحيين ومواعيد تقديم الترشحات والاقتراع مع السهر على تحييد الادارة والمساجد.
وعليه لابد من مراجعة خصوصية العملية الانتخابية بالخارج والا سنبقى في حلقة مفرغة نراوح نفس المكان ونكرر نفس الأغلاط.لا يعرف أحد متى سيتم اجراء انتخابات جزئية بالخارج لسد الشغور الحاصل في 7 دوائر؟
وهل سيتم اعتماد شروط القانون الانتخابي الذي تمت به الانتخابات السابقة خاصة شرط ال400 تزكية معرّفة بالامضاء او اعتماد الشروط الجديدة التي خففت فيها الاجراءات نسبيا بفرض 50 تزكية فقط لكل مترشح والغاء التعريف بالامضاء؟
بالاضافة الى كل ما سبق لابد من مراعاة وضعية النواب عن الخارج الذين يتم انتخابهم لتمثيل المهاجرين التونسيين في البرلمان، لكن عمليا يجب عليهم ان يبقوا في تونس مثلهم مثل بقية زملائهم داخل البلاد ويتركون اسرهم في بلد الاقامة!
فكيف سيوفقوا بين واجباتهم العائلية وعملهم في البرلمان في تونس.
وليس لهم الحق ان يرتبطوا مهنيا بأي جهة بأجر او بغير أجر مما يعرضهم الى امكانية فقدان تصريح الاقامة بالخارج وكذلك ضياع الضمانات الاجتماعية كالتقاعد ومنح الابناء والعلاج.
العديد من المهاجرين عندهم حس وطني ويمكنهم خدمة التونسيين بالخارج ورعاية مصالحهم وتمثيلهم في مراكز القرار وخارجها ولكن يصطدموا بشروط يصعب تلبيتها.
ففي نظر العديد من المهتمين يجب ايجاد صيغ أخرى اذا أردنا أن تكون للتونسيين بالخارج تمثيلية هامة في مراكز القرار لاسيما في البرلمان بالتقليل من الشروط مثل عدم اقحامهم في عمل اللجان واختصار تواجدهم في الجلسات العامة لايصال صوت الجالية والقيام بدورهم في بلدان اقامتهم وبين افراد الجالية للتعرف اكثر على مشاغلهم ودرس الاستراتيجيات العملية ونقلها لسلطة الاشراف.
وبالتأكيد فان مسألة الهجرة ليست مرتبطة فقط بتحسين الاوضاع المادية فهناك كفاءات بمستوى علمي محترم وتجدهم يتحينون اتاحة الفرصة للعمل بالخارج ولو في ميادين ومهن أقل من مؤهلاتهم.
وهناك عوامل أخرى اجرامية يجب التصدي لها مثل الاتجار بالبشر، والعمل على توعية العائلات التونسية بأن ركوب البحر ليس رحلة سياحية او جولة ترفيهية وعدم المغامرة بابنائهم القصر الذين ربما يضيعون منهم الى الأبد.
كم كانت الأغاني عن الهجرة في السابق معبرة ومؤثرة تضاهي ذهاب الأبناء للحرب، لقد عشنا بأغاني مثل “ريحة البلاد يابا”، او “بابور زمن شق البحر” و”يا أمي لا تبكي” وغيرها من اغاني الغربة التي تنهمر الدموع لسماعها اليوم ترك البلاد لا يخلف حزنا ولا تأنيب ضمير.
